الاثنين، يونيو ٢٨، ٢٠١٠

9 - أيام طويلة ...

.

صحوت ظهيرة اليوم التالي منزعجاً علي صوت عال للغاية لأحدي الممرضات وهي تخبر عم عبدالله بأنه قد تقرر خروجه من المستشفي. وأنهم فد خابروا "أهله" للحضور غداً "لاستلامه". كان الرجل ينظر إليها بدهشة وخوف شديدين ثم يعاود النظر إلي وكأنه يستنجد بي. كررت الممرضة ماقالت وهي ترفع صوتها أعلا كي يسمعها جيداً ويعي ماتقول. ولأول مرة وجدت عم عبدالله ينطق بكلمات قليلة " هل سيأتي أحد من أهلي لاستلامي"؟!!. كرر سؤاله ثم لاذ بالصمت وهو ينظر إلي وقد غمره خوف هائل ارتسم علي وجهه الضامر والحزين. استطعت تفهم خوفه الذي قارب حد الرعب فهو يخشى أن يقرر ذلك النظام المسئول عن علاجه ورعايته "رميه" للخارج، والأدهي ألا يكون هناك أحد من أولاده أو أقاربه حاضراً لاستلامه، مثلما يستلم المرء طرداً أو رزمة لا حياة فيها غير أنها بقادرة علي التأوه والشعور بالألم. وما يزيد الأمر حزناً أنه – وخلال المدة القصيرة التي رافقته الغرفة – لم يكن من زائر يجئ له. ولعله لهذا السبب كان يزداد حيوية كلما جاءت زوجتي وأخوتي لزيارتي وتحيته والسلام عليه. لم يكن يرد عليهم بكلمة مكتفيا بالابتسام والنظر إليهم بتأني ثم معاودة النظر إلي.
ياله من شعور قاتل ويبعث علي الحزن أن يتحول الإنسان إلي "كتلة لا حول لها ولا قوة" يركلها البعض ليستلمها أو يرفض استلامها البعض الآخر.
سألت الممرضة بصوت ضعيف " ولكن الرجل لايزال مريضاً. ليس من حقكم أن تجبروه علي الرحيل دون أن يكتمل علاجه". اقتربت من سريري وحدثتني بصوت أقرب للهمس " ليس له من علاج لدينا. حالته خطيرة، أنها مسألة وقت. فكبده قد تلف تماماً بحيث لم يعد يعمل. وهذا هو سر انتفاخ جسده الضخم ولن يجدي نفعاً أي نوع من العلاجات الدوائية، وبطبيعة الحال فلا يمكن الاقتراب من تلك الحالة جراحياً فبطنه صارت أشبه بالبطيخة الفاسدة، فهي عبارة عن مزيج من الأعضاء التالفة والتي أخذت طريقها للتحلل والفساد. كنت استمع بدهشة شديدة لما تقوله. وجدت نفسي أهمس لها أنا الآخر ودوار هائل يهاجمني معلناً سحبي لمنطقة النوم الآمنة. " يانهار اسود، يعني بطن الراجل صارت مثل "حلة الملوخية الحمضانة". ضحكت الممرضة قائلة "لا يمكننا عمل شئ". قلت بنوع من الإصرار: "ومع ذلك فليس من حقكم "طرده وإعلان هزيمتكم بهذا الشكل المخزي". لا أدري ماهو السر أن يتحول كلامي لنوع من الاهتمام والفهم . فقد وعدتني الممرضة بنقل وجهة نظري لمديرة القسم وربما استطاعت التوصل لقرار آخر. كنت استمع بصعوبة شديدة فيما راح النوم يتسلل إلي لأغفو لساعات.
عرفت فيما بعد أنني صرت طرفاً في مشكلة الإدارة مع عم عبدالله ، لكن وللحق لم تتغير طريقة تعاملهم معي. كل ماهنالك أنهم التزموا الصمت في إخباري بأي جديد ينتظره هذا المريض البائس.
واستيقظ مساءً علي الرائحة الكريهة وشعور برغبة عارمة في التقيؤ لأجد الغرفة مملوءة بعدة رجال يعاونون "أشرف" الذي كان ممسكاً شيئاً ضخما يسحبه من أسفل "عم عبدالله" وهو يسأله إن كان يود إخراج المزيد.!!
الحقيقة أنني في تلك اللحظة وجدت أنني لم أعد أتحمل أي مزيد وأعلنت هزيمتي أنا الآخر، وقررت أنه لا يمكنني الاستمرار بتلك الغرفة ورغبة شديدة تعتريني بتركها حالاً وبأي طريقة، حدثت نفسي – بجدية وانتباه - أنني سأطلب من إدارة القسم لنقلي لغرفة منفردة.
كنت – في نفس الوقت - أشعر بالخجل من نفسي فلم يتعد "الاختبار" الذي وضعت نفسي فيه يومان ولم أعد بقادر علي تقبل أو عدم تقبل أية أعذار لإعلان هزيمتي فكلها مقنعة، وتدفعني للهرب من صحبة ومعايشة مريض بجواري. كنت أتفلسف "علي نفسي" بحجج مقنعة للغاية، فأنا أقدس خصوصية المريض ولي طقوس – عند المرض - أمارسها أهمها أن أكون وحيداً، لممارسة تلك الطقوس لمعايشة المرض من خلال مساحة خاصة بي. ضمن تلك الطقوس ألا تفرض علي زيارات من المعارف والأصدقاء وأنا أبدو تعيساً ضعيفاً لا حول له ولا قوة. ولهذا السبب أحرص – كلما زارني أحد - علي حلاقة ذقني وأخذ حمام ثم ارتداء ملابس نظيفة ولعل كل ذلك - مع تبادل الابتسامات والكلمات الطيبة والمريحة بيني وبين من يزورني – يجعلني أبدو متعافياً قوياً ومتفائلاً .
تبدو الأمور مختلفة هذه المرة. فلست بقادر علي أي شئ سوي متابعة مايحدث لجاري المريض، ثم التسليم بهزيمتي الشخصية مع قبولي الدخول في خلاف مع الإدارة حول حقه في البقاء بالمستشفي والعلاج.
وبينما انشغلوا في تنظيف الغرفة وتهويتها رحت في نوم عميق لم أفق منه إلا علي تحيات هامسة من شقيقتي الصغيرة وزوجتي التي أخذت تهمس في أذني بأنها تسعي لنقلي لغرفة خاصة. لم أرد عليها وشعرت أن صمتي له وقع أفضل من الموافقة التي تعني إعلان هزيمتي. واعترف أنه نوع من الكذب علي النفس وعلي الغير أمارسه في كثير من المواقف التي أمر بها.
أصبت بالغثيان والدوار حين بدأت زوجتي الحديث عن رغبتها أن تسقيني كوباً من الينسون الساخن جاءوا به معهم. استدعت ذاكرتي رائحة الينسون وطعمه. رجوتها أن تصمت. وللمرة الثانية سمعت عم عبدالله يتكلم وهو ينظر تجاه زوجتي متسائلاً "هل معكم ينسون؟!!". قلت لها "جهزي كوباً لعم عبدالله". أخذت شقيقتي الكوب وتوجهت ناحيته وساعدته في رفع رأسه الصغير، ثم أخذت تجفف حبيبات العرق اللاصقة بجبهته الضامرة، ووضعت يدها تحت رأسه وأخذت تسقيه من الكوب بهدوء وتأني، وأنا أنظر اليهما متمتماً بداخلي "لك الجنة يا أم ضحي".
صحوت عصر اليوم التالي علي صوت عال لشاب واقف بجوار سرير "عم عبدالله"، يتحدث مع مديرة القسم عبر هاتفه المحمول. عرفت أنه ابنه وأنه جاء لحل مشكلة والده في الخروج من المستشفي. شكرني لموقفي وأخبرني أنه تم الاتفاق مع "المديرة" بنقل والده لأحد ألأقسام المتخصصة". وبدا مثل هذا الحل مريحاً للجميع، لعم عبدالله الذي ظل ينظر إلي مبتسماً ولابنه الذي نجح في مسعاه ولي أيضاً.
بعد قليل من الوقت ازدادت الجلبة بالغرفة خاصة مع بدء الزيارة وأخذ صوت ممرضة يتعالى لتجهيز عم عبدالله للنقل، ثم وجهت كلامها لي "وأنت أيضاً يأستاذ محمد سننقلك لغرفة خاصة تم تجهيزها بعد خروج الحالة التي كانت بها".
كانت زوجتي تسير خلف الممرضة كظلها، ثم سارت تجاهي مبتسمة قائلة "لا تنطق بكلمة، وجدنا لك غرفة ممتازة، والأمر يستدعي تركك لهذه الغرفة، علي الأقل خوفاً عليك وعلينا من العدوى". تمسكت بقناع صمتي الزائف وأخذت أنظر لسقف الغرفة مثلما يفعل جاري المريض.
كان نقل عم عبدالله يحتاج لبعض الوقت فـاخذوا يجرون سريري لغرفتي الجديدة الجاهزة. حين بدأت عجلات السرير بالحركة نظرت "لعم عبدالله مودعاً ومتمنياً له الشفاء". نظر إلي وعلامات الحزن تعاود وجهه الضامر. وللمرة الثالثة والأخيرة سمعته يقول: " كنت أتمني أن نكون بغرفة واحدة يأستاذ عادل".

.


الثلاثاء، مايو ٢٥، ٢٠١٠

الأداء والتطريب ..

..

أحرص كثيراً علي لمسة " التطريب" في أي عمل فني أقتنيه خاصة الغناء. ولعله لهذا السبب أفضل اقتناء تسجيلات أغاني الحفلات للمطربين الذين أفضل الاستماع إليهم. وأعد نفسي محظوظاً إذا حالفني التوفيق وعثرت علي أغنية يؤديها المطرب وهو في حالة "سلطنة" أو "انسجام" وتوحد تام بين عناصر الأغنية وأعني الموسيقي والكلمات إضافة للأداء بطبيعة الحال، والأهم الجمهور أو المتلقي أو المستمع.
من المطربين الذين برعوا في الانسجام والسلطنة وهم يغنون أم كلثوم وفريد وعبد الوهاب وعبد الحليم وطلب وورده وناظم الغزالي وغيرهم كثيرون.
أعتقد أنها "حالة"، ليس بإمكانية أي مطرب الوصول إليها، كما أنه ليس بإمكانية "نفس المطرب" أن يكرر تلك الحالة من السلطنة والانسجام وإلا فسيصبح الأمر كمن يقلد نفسه وستكون سمة التكلف هي السائدة.
هذا يعني أن هناك عبئاً مضافاً يقع علي عاتق مثل هذا المطرب. أولها أن يكون له حضوراً قوياً ويعرف كيف يترجم هذا الحضور المتمثل في "السلطنة والتطريب والانسجام" إلي مايشبه خيوط غير مرئية يشد أو يجذب بها "المتلقي أو المستمع" إلي دائرته وتحديداً إلي المركز أو القلب منها وأعني تجاه المطرب أو المؤدي ذاته. وهذا نوع آخر من أنواع التوحد والانسجام بين المؤدي والمتلقي ولعل هذا يفسر "رد الفعل" الجماعي للجمهور وتردديهم في نفس ووقت واحد كلمات الإطراء والإعجاب والتي قد تختصر في كلمة وحيدة تخرج من قلب كل مستمع لتتحد مع باقي القلوب في صيحة واحدة " الله" .
أود أن أنوه أن حالة التوحد والانسجام ليست قاصرة علي الغناء. نستطيع أن نلمس ذلك في الإنشاد الديني وفي تلاوة القراًن وفي قراءة الشعر وأيضا في المديح والأذكار وحتى قراءة القصة أو الحديث العادي. فبقدر ما يملك المؤدي من حضور، ومعرفته كيف يجد نوعاً من التوحد أو الجذب لمتلقيه بقدر ماتكون براعته في الأداء. ولعل هذا يفسر التفاف الناس حوا أشعار وحكايات الأبنودي وهو يؤديهما بصوته.
لكل هذا أستطيع القول أن تلك الحالة ليست سمة لعصر بعينه، أو موسيقي بعينها بقدر ماهي سمة "لمؤدي" في ساعة محددة للتأدية سواء كان غناءً أو عزفاً أو حديثاً وكما أسلفت. وبعكسه إذا ماسيطر أداء التطريب علي "فترة" بعينها بحيث شملت معظم المؤدين فسيصبح الأمر أشبه بأداء "الحشاشين في أحد جلساتهم" وما يعنيه ذلك من تكلف وتكرار لحد الملل وتقليد غير مستحب.
استمعت مؤخراً "لحالتان" من الأداء لأغنية واحدة. "زوروني كل سنه مره" لسيد درويش. والأغنية تعد أحد علامات الغناء والأداء في عالم الغناء الشرقي. واعتقد أنها تؤدي وفق مايمليه علي المؤدي "زمنه" من ثقافة سائدة وفهم لمعاني الحب ومفرداته.
الحالة الأولي بصوت "بلبل مصر" – كما كان يسمي – "حامد مرسي"، وهي حالة مليئة بالتطريب المبالغ فيه ولحد التكلف، وبالرغم من ذلك إلا أنني أحب الاستماع لتلك الأغنية كما أداها " بلبل مصر". والحالة الثانية لنفس الأغنية بصوت "فيروز"، وهي حالة تفتقد تماماً للتطريب والانسجام والتوحد مع المستمع، ومع ذلك فلها سحرها الخاص ومذاقها الجميل .
...

الأربعاء، مايو ١٩، ٢٠١٠

8 - أيام طويلة ..

..
نمت عدة ساعات، استيقظت بعدها وحالة من الإدراك والانتباه تأتي للحظات قليلة تكون كافية لأسأل وافهم. علمت أن التشخيص المبدئي لحالتي والذي حددته طبيبة الاستقبال الشابة هو "التهاب بالغشاء البلوري" . وقد وضعوني بقسم خاص للتأكد من صحة التشخيص أو غيره مع علاجي بالأدوية اللازمة.والحقيقة أنها طفرة كبيرة بهذا المستشفي الضخم أن يكون هناك قسماً "للأبحاث" للتأكد من تشخيص أطباء الاستقبال أو لتحديد التشخيص المضبوط للحالة ووصف العقاقير التي تناسب كل حالة ثم نقلها للقسم الذي يختص بعلاجها. فهمت أيضاً أن الأمر يستدعي بقائي عدة أيام ثم نقلي لقسم الصدر فنتائج الأشعات والتحاليل تفيد بصحة التشخيص وأن هناك التهاب كبير بالغشاء البلوري، وهناك أيضاً الالتهاب بالفص الأيمن للرئة، وأنهم يبذلون قصارى جهدهم في تشخيص مرضي بشكل موثوق به. سألت بطبيعة الحال عن أسماء المضادات الحيوية التي أعالج بها. علمت أنهما نوعان من المضادات القوية للغاية والتي تعطي في شكل محاليل، بالإضافة لمحلول آخر كمسكن قوي للألم، وكان علي ألا أستعجل الشفاء ، فمثل هذا المرض يأخذ وقتاً طويلاً للعلاج ، وهو يحتاج لصبر المريض وتحمله، لكن سيكون بالمقدور – في النهاية - القضاء علي الميكروب المسبب له. تلك كانت نصيحة هامة رغم أني أعد مريضاً نموذجياً في الصبر وطاعة الأطباء وعدم الاعتراض علي أي شي. كل ما طلبته منهم أن يلاحقوا هذا الألم، ويريحوني منه ، وأن يزيدوني فهماً وتنويراً عن هذا الميكروب. من أين جاء ولماذا اختار صدري تحديداً. وبالنتيجة فلن أغادر هذا القسم لقسم الصدر قبل ثلاثة أو أربعة أيام. وهذا يعني أنني سأقضي تلك الأيام في متابعة النوم وحين استيقظ أكون بصحبة عم عبدالله. لم أستطع – طيلة تلك المدة - تناول أي نوع من الطعام أو الشراب وأصبح مجرد الحديث عن كل ذلك يصيبني بنوع من "القرف" ، كما وأن رائحة أي طعام وأيضاً رائحة الشاي والقهوة والسجائر يسبب لي غثياناً ورغبة في التقيؤ، وما يجره من إجهاد نتيجة لأن معدتي كانت فارغة إلا من المياه، وهي السائل الوحيد الذي كنت أتذوقه واعتبرته بديلاً عن الغذاء. قلت ذلك لزوجتي التي حضرت لزيارتي هي وشقيقتي ومعهما "شوربة" دجاج وبها نصف دجاجة. وأعقبت كلامي بتهديد بليغ لهما بأن أي طعام سيأتيان به لن أقدر علي النظر إليه أو اليهما وسأفضل تركهما لأنام. وسأفعل كما كان "عم أنس" يعمل حين يأتيه زائر لا يرغب في لقاءه، كان ينظر إليه قائلاً وهو يتثاءب: حين أصاب بزائر "دمه ثقيل" مثلك فسأمدد جسدي فوق السرير وأسحب الغطاء فوقه، وسرعان ما أستسلم للنوم حتى أن شخيري يستطيع أن يسمعه كل عابر للشارع المقابل للدار. وكان ينفذ بالفعل كل كلمة يقولها حتى لا يتبقى شيء سوي شخيره وحرج الزائر في البقاء لعدم إزعاج عم أنس النائم. وغرقت أنا الاَخر بالفعل في النوم وأنا أتحدث اليهما، وكان ذلك دليلاً علي جدية تهديدي. ومع ذلك فقد أصرت زوجتي خلال الزيارتان التي تليا تلك الزيارة علي إحضار نفس "الشوربة" ونصف الدجاجة حتى أصابها اليأس فأصبحت تزوني بعد ذلك بدون أن تحضر معها أي طعام.
ومع زيادة ساعات نومي اختلط الليل بالنهار. كنت أشعر براحة حين أنام دون أدني مجهود، وحين أفيق للحظات قليلة لأخذ العلاج أو لأرفع زجاجة الماء لأشرب كنت أجد عم عبدالله مشغولاً بالأكل، وأسنانه القليلة ترتفع وتنخفض بسرعة وهو ينظر إلي شارداً. حاولت دفعه للحديث عدة مرات، وبصوت ضعيف كنت أسلم عليه وأسأله عن حاله. كان الرجل يحدق في باهتمام واضح ويستمع إلي صامتاً وهو يواصل المضغ دون أن يرد علي بكلمة واحدة.
..

الأربعاء، مايو ١٢، ٢٠١٠

7 - أيام طويلة ..

..
استيقظت علي رائحة كريهة للغاية تملأ الغرفة، شعرت بالغثيان ورغبة قوية أن أترك الغرفة وأفر بعيداً عن تلك الرائحة المقززة. حانت مني إلتفاتة لسرير جاري، تسمرت عيناى علي جسده العاري، كدت أصعق لرؤية هذا الجسد، فهو عبارة عن هيكل جلدي منتفخ للغاية لا يتناسب مع حجم الرأس الصغير، والعينان الجاحظتان في فزع. كان هناك ممرض شاب ينظفه بعدما "تغوط علي نفسه". كان الممرض يعمل بهمة وهو يلقي باللوم بصوت عال علي المريض المفزوع. "يا عم عبدالله قلنا لك ألف مره اضغط الجرس حين ترغب في التغوط، سنأتي لمساعدتك قبل أن تبهدل السرير وما عليه وترهقنا لتنظيفك". لم يرد عم عبدالله بكلمة واحدة واكتفي بالتحديق في وفي جدران وسقف الغرفة وعلامات الفزع والخوف ترتسمان علي وجهه الضامر. رائحة كريهة وممرض يصرخ من الشعور بالتقزز وهو ينظف جسداً منتفخاً لمريض عاجز عن الكلام ولا يملك سوي الخوف والفزع. وجدت نفسي أقاوم رغبتي الصبيانية بترك الغرفة وحدثت نفسي بأنني سأشارك عم عبدالله هذا المكان واعتبرت أن هذا القرار هو نوع من الامتحان لنفسي. سألت نفسي " هل سأنجح في هذا الامتحان.؟!! نظرت إلي الوجه الضامر والعينان الجاحظتان ورسمت علي وجهي ابتسامة تشجيع وتعاطف، وطلبت من الممرض أن يقترب من سريري لأحدثه. بعدما ينتهي من عمله، أخذ يرش الغرفة مستخدماً زجاجة معطر للتغلب علي الرائحة الكريهة التي لصقت بكل زوايا وأرجاء الغرفة. كوم ملابس عم عبدالله القذرة وغيرها بملابس أخري نظيفة وأخذ يلبسه إياها بهمة ونشاط ونحن نتبادل الحديث.
قلت له أنني معجب للغاية بنشاطه وطريقته في تمريض عم عبدالله، وقبلها معي – رغم أنني كنت نائماً – إلا أنني وجدته قد علق كيساً للتبول كما علق الأدوية والمحاليل حتى أنني شعرت براحة شديدة لتأثير المسكن القوي والأهم هو قدرتي علي التبول دون ذهاب للحمام. كنت أناديه باسمه الذي استطعت قراءته من "البادج" المعلق فوق صدره، "يا أشرف أنت تدمر هذا المجهود الرائع الذي تبذله وأنت تصرخ في تلك الجثة الممدة أمامك دون قدرة علي الحركة أو الرد". كان ينصت إلي باهتمام وأدب وعقب بكلمات قليلة لكنه اعترف بالتقصير في تلك الناحية. يبدو العمل شاقاً "علي النفس" خاصة في مثل تلك المواقف. وافقته وأعطيته الحق وقلت له لعل أحد الأسباب أنك لازلت شاباً ولم تر الكثير بعد من المرضي وحالة الضعف والهوان والاستسلام المهين للمرض. الموضوع يحتاج لكثير من التدريب والممارسة وقبل كل ذلك الفهم والشعور الطيب تجاه تلك الكائنات الضعيفة والتي كانت يوماً ما تتباهي بقوتها وتدعي أنها كانت رجالاً لايشق لهم غبار أو نساءً يمتلئن بالحيوية، أنظر لعم عبدالله كيف يبدو؟!! وانظر إلي، وضعفي الذي لايمكنني من النهوض من فوق السرير. أنتهي حديثي مع أشرف بكلمات ضاحكة منه لعم عبدالله، الذي ابتسم وهو ينظر تجاهي متخلياً عن علامات الخوف والفزع. اكتشفت أن "عم عبدالله" لا يستطيع الكلام ولكنه يجيد الاستماع والفهم.
كان هناك العديد من زجاجات المحاليل معلقة بأعلا سريري، تتدلي منهما أنابيب شفافة ورفيعة تصل "يكانيولا" مغروزة بزراعي وبها العديد من الفتحات. من الواضح أنهم في مستشفي " عين شمس التخصصي" يتمتعون بحرفية عالية في تأدية أعمالهم والمتمثلة في جودة التشخيص والتمريض والأهم هو وجود نظام محكم للتعامل مع المريض ومتابعة حالته دون أن تشعر من هو الطبيب الذي يشرف علي كل ذلك.
لا بد أن الفجر يوشك علي البزوغ، فخيوط الضوء تتسلل علي حياء من خلال "شيش بلكونة الغرفة"، ومع بزوغ ضوء فجر يوم جديد أزددت تفاؤلاً، وشعور بآمال جميلة تراودني في الشفاء وفي مزيد من الحب والفهم للناس، وعرق كثيف يغمر جسدي لأغرق في نوم هادئ وممتع بعد ساعات طويلة ومرة من العناء والضعف والألم
..

الاثنين، أبريل ٢٦، ٢٠١٠

6- أيام طويلة ...

..
مساء نفس اليوم ...
شعرت بأصابع تنغرز في ظهري وهم يحاولون مساعدتي للقيام والدخول لسيارة شقيقي لنقلي لمكان آخر. تأوهت من شدة الألم وطلبت بصوت ضعيف من أخي أن يستخدم كف يده وليس أصابعه. كان جسدي أشبه "بالدمل الكبير" الذي يحيط به الألم من كل الاتجاهات. فضلت الرقاد فوق الأريكة الخلفية للسيارة ووضعت ذراعي تحت رأسي وغرقت في نوم عميق. كنت أفيق للحظات قصيرة كلما اهتزت السيارة حين كانت تعبر مطباً أو حفرة بأسفلت الشارع. أتذكر أنني أفقت مرة أخري علي صوت مزعج لآلة تنبيه سيارة مجاورة. تصنعت القوة وحدثت شقيقي أن "يركن" بجوار تلك السيارة ويتركني أؤدب سائقها لقلة أدبه وعدم تحضره. "هاوريه بس سيبني عليه.!!". كنت أحاول تصنع القوة والمرح تخفيفاً عني وعن زوجتي وأخوتي. لم أنتظر أي تعليق، ومع سماعي لضحكات الجالس بجوار أخي بالمقعد الأمامي غرقت في النوم، ولم أفق إلا بعد فترة كانت كافية لوضعي فوق سرير الفحص بالمستشفي الجديد، ثم سحبي أو جري أو نقلي أو حملي لعمل أشعة للصدر والعودة ثانية لسرير الفحص الجلدي البارد. أخبرتني زوجتي بأننا في انتظار الأشعة والتي ستحدد إذا كنت سأخرج أم سأبقي للعلاج بالمستشفي. لم أتذكر أي شيء. ولم أسأل كيف وصلنا، وكيف فحصني الأطباء ، وكيف أخذوني لعمل تلك الأشعة. كان هناك مجموعة من الأطباء الشباب، بهم الكثير من الطبيبات. انشغلت زوجتي في الحديث مع إحداهن وعادت إلي لتخبرني قبل أن أعاود النوم. كنت أشعر ببرودة شديدة وأنا أكور جسدي طمعاً في الإحساس ببعض الدفء. لم أفهم من كلامها سوي القليل بينما كانت عيون الأطباء تلاحقني وهم يتحدثون فيما بينهم. رجوت زوجتي أن تغطي جسدي بالعباءة الشتوية - التي كانت بصحبتي - وأن يقرروا بعيداً عني مايرونه صالحاً. ومع شعوري بالدفء يتسلل لأطرافي غرقت ثانية في نوم عميق لم أفق منه إلا وأنا بغرفتي الجديدة بالمستشفي وحيداً إلا من نظرات حزينة ومركزة تلاحقني من رفيقي بالغرفة الممدد بجواري فوق سريره.

..



الأربعاء، مارس ٣١، ٢٠١٠

5 - أيام طويلة ...

.
لي قريب يكبرني في المقام والعمر، وهو نفس حالي علي المعاش ويختلف عني أنه كان يعمل بالحكومة وترك العمل بها بعد أن وصل لدرجة وكيل وزارة. أقول ذلك لأنه وكما عاشرته وعرفته فهو يستحق الأكثر من ذلك. مشكلته أنه لم يكن يحني رأسه لأحد. ويبدو أن تلك " الخصلة السيـئة هذه الأيام" كانت أحد سماته منذ صباه. فهو لا يمكنه أن يزيف الحقيقة، أو حتى يجملها. في الحفل الصغير الذي أقاموه له بمناسبة تركه للعمل وإحالته للمعاش تركوه يقول كلمة صغيرة. أخرج من جيبه ورقة أعد بها الكلمة مسبقاً وابتدأ يقول فامتعضت الوجوه، وبدأ الهمس واللغط وصدرت التعليمات بإسكاته. تقدم أحدهم منه ضاحكاً وهو يقول " لا يقال هذا الكلام في تلك المناسبة يأستاذ" وسحب والأحري خطف الورقة من يده. نظر إلي الحضور مبتسماً وقال "كنت أتوقع ذلك" ومد يده لجيب الجاكت وأخرج نسخة ثانية من خطابه وهو يقول "هناك العديد من النسخ الأخرى وأنتم تعرفون طبعي. سأقول ماعندي ثم أغادركم لأرتاح وترتاحون". ومن صفاته الجميلة أيضاً أنه محب لتقديم خدماته "بالمجان" لأفراد الأسرة وللغرباء أيضاً. وحين تحكي أمامه أو يشاهد مشكلة ما لأي شخص. يستمع باهتمام ولا يعلق أي تعليق بعرض المساعدة، غير أنك تفاجأ بعد عدة أيام قليلة بأنه بدأ بحل مشكلتك مالم يكن حلها بالفعل. الحكايات عنه - خاصة في هذا الجانب - كثيرة وقد أعود لأكتب ثانية عن هذا الرجل وحكاياته، والذي أعتقد أنه يستحق تسميتي له بآخر الرجال المحترمين.قالت لي زوجتي أحد الأيام أنه يعاني من نفس مشكلتك وقد عرض نفسه علي طبيب عظام، الذي وصف له عدة أدوية ونصحه بالراحة التامة. تحدثنا هاتفياً وكما هي عادته بدأ بالسؤال عني بصوت ضعيف للغاية، ومع ذلك فلم ينس أنه منحني لقب " البكوية" ، وبدوري فقد منحته لقباً أعلا "الباشاوية". تحدثنا عن الأدوية التي نستعملها وكانت متشابهة لحد كبير خاصة دواء ليركا" وهو هو عبارة عن كبسولات لفيتامين ب مركزة وقوية التأثير ويذهب تأثيرها مباشرة للأعصاب والنخاع الشوكى، وهي غالية الثمن لحد كبير. لا أدري لماذا يفضل معظم أطباء العظام وصفها لمثل الحالة التي أعاني منها أنا وقريبي.؟!! وخلافاً عني فهو من النوع الذي يتحمل الألم بعناد غريب ولا يمكنه أن يستخدم أي مسكن للألم عدا ماوصفه له طبيبه. وبطبيعة الحال تزايدت حدة الألم وبدأ صوته يضعف أكثر وقدراته تقل وزياراته للأطباء تتزايد إلا أن اقترح عليه أحدهم بعمل حقن للفقرات لدي طبيب متخصص في تلك العملية. وبالفعل فقد ذهب لمقابلة هذا الطبيب الذي نصحه بعمل أشعة " رنين مغناطيسي" للفقرات القطنية ثم قرر له إجراء عملية الحقن. خابرته بعد عدة أيام فذكر أن الألم لم يختف لكنه قل بنسبة ملحوظة، وأنه يستخدم الأدوية غالية الثمن طبقاً لتعليمات الطبيب الذي أجري له حقن الفقرات.
قلت لنفسي لعلها نافذة أمل قد فتحت أمامي. قررت الذهاب لنفس الطبيب ومقابلته وبالنسبة لي فلدي الأشعات المطلوبة والتحاليل وشعرت أن هناك اتفاق قريب سأعقده مع هذا الطبيب ليجري حقن لفقرات ظهري المتعبة" . بالفعل ذهبت ثاني يوم للمستشفي الذي يعمل به وهو مستشفي كبير والذي يطلق عليه مستشفي فندقي ولا يقل مستواه عن خمسة نجوم. غير أنه لم يساورني القلق بخصوص التكلفة فقد أخبرني قريبي أن مصروفات العملية شاملة الإقامة لليلة واحدة لن يزيد عن ألفين جنيه. وهو مبلغ لا يعد كبيراً لمواجهة مثل تلك المواقف "الاضطرارية" ويمكن تدبيره بشكل أو بآخر.
ورغم ذلك فقد تذكرت حواراً دار بيني وبين صديق لي يسكن بأحد القرى. وقتها كنا نتبادل الحديث عن "مأساة علاج الفقراء خاصة الفلاحين" الذين لا يتوفر لأي منهم أي مبلغ ولا يمكنهم دفع حتى خمسين جنيهاً للعلاج. قال صديقي بجدية تامة "العيب عليه وليس من حل أمام هذا الفقير المعدم سوي أن يقف أو ينام في سكة القطار "ليأكله ويفرمه" فيريح ويستريح". "ألا يوجد طريق آخر سوي طريق القطار؟!! وبنفس الجدية أجابني " هو كده ميت وكده ميت، الأشرف له أن ياكله القطر ويموت. وصدقني مش هايحس بحاجه. ياعم بلاش وجع دماغ دي بلد تقرف هيه واللي فيها". حمدت الله أن معي الألفين جنيه، وحمدته أكثر أن "سكة القطر أو القطار" تمر بعيداً عن موقع المستشفي الذي يتوسط أحد مناطق القاهرة المميزة.
قابلت الدكتور وبعد أن وضع نظارته الصغيرة المربعة الشكل وتركها تتدلي فوق أنفه، قام بفحصي ثم شاهد أشعة الرنين المغناطيسي. استدار وقال لي " أنت بحاجة لحقن أربع فقرات . لكن دعني أذكرك أن تلك العملية ليست علاجاً لحالتك، فهي تساعد فقط في تخفيف حدة الألم، وربما يحتاج الأمر أن تعاود عملية الحقن بعد ستة أشهر وربما أقل من ذلك وربما أكثر. ليس لدينا تقييم يجزم بجدوى الحقن، كل مالدينا هو الجانب الإحصائي الذي أجري لعينات كبيرة من المرضي في أمريكا وأوربا. فقد استفاد 80% منهم في تقليل الألم وليس زواله. والكثير منهم احتاج لإعادة الحقن بعد ستة أشهر ونسبة قليلة بعد سنة والنسبة الأقل لم يعودوا بحاجة لتلك العملية مرة أخري." ثم أضاف " يجري الحقن باستخدام عدة أدوية قد تصل لأربعة وبواسطة إبرة تخترق الفقرة وتحت توجيه دقيق لها بواسطة العديد من شاشات المراقبة حتى لا تلمس النخاع الشوكى". عرفت أيضاً أن تلك العملية – إن جاز تسميتها بعملية – تجري بغرفة قسطرة الشرايين المليئة بشاشات المراقبة التلفزيونية. فالمكان حساس للغاية وأي خدش يمكن أن يلحق بالنخاع الشوكى ستكون له عواقب وخيمة.كان من الواضح أن الطبيب "قدر" تخصصي المهني فاستعان بشرحه المفصل بعمل العديد من الرسومات التي توضح خطوات العملية وكتابة الأرقام الدالة علي الجانب الإحصائي لجدوى العملية، وأجاب علي كل أسئلتي الهندسية إجابات وافية ومقنعة. حدد أيضاً أتعابه وتكاليف الإقامة بالمستشفي لليلة واحدة علي أن تجري العملية الصباح الباكر لليوم التالي. ولم يختلف الرقم الذي ذكره كثيراً عن الرقم الذي أعرفه إلا بزيادة تكلفة إجراء تحليل "لسيولة الدم" طلبه مني وفضلت عمله بالمستشفي.
"توكلنا علي الله"، هكذا كانت إجابتي، كانت أجندة مواعيده توافق الليلة التي سأبيت فيها بالمستشفي لعمل التحليل وإجراء العملية صباح اليوم التالي. وكانت تلك الليلة والصباح الذي تلاها هو ما كتبت عنه ببداية الموضوع. فقد حدث فجأة ارتفاع كبير بدرجة الحرارة وفقدان كامل للوعي، وعدم الشعور أو المعرفة أو الإدراك لأي شخص، أو لما يدور حولي أو القدرة علي إجابة أي سؤال. مما جعل الطبيب يقول لزوجتي – حين حضر في الصباح – ليس هذا هو الرجل الذي قابلني وتحدثت معه. إنه رجل آخر والأفضل له ولكم أن تبحثوا عن طبيب أخصائي غيري فهو لم يعد بمريضي"..
بتخلي الطبيب عني، تخلت المستشفي عني أيضا،ً وأصبح الأمر يستلزم عقد اتفاق جديد مع طبيب آخر بالمستشفي لضمان حقوقهم المادية أولاً ، ثم علاجي من الحمي التي أصابتني ومعرفة سببها قبل كل شيء.
ماحدث - بعد ذلك - لهو أمر مخجل ومقزز، فقد ظللت ليوم كامل فاقداً للوعي رغم حضور أخصائي قلب وعمل رسم كهربائي وتحليل "لأنزيمات القلب"، ثم قراره بأن الحالة لا تخصه أيضاً. وعوضاً أن تعالج الحمي بأقصى سرعة فقد أرسل لي أحدهم أقراصاً مهدئة وكأنني كنت بحاجة لمزيد من النوم.!!
في التاسعة مساءً تم نقلي لمستشفي آخر بناء علي نصيحة طبيبي الخاص وبعد أن خابرته زوجتي وشرحت له ماحدث معي بالتفصيل. وقبل أن نغادر طلبت المستشفي دفع فاتورة الإقامة والتحاليل والأطباء وكانت تتجاوز الألف ومئتان جنيه نظير لاشيء تقريباً. وبين التخبط الذي وقعت فيه زوجتي وأخوتي – وهم معذورون – والتخبط المتعمد من أطباء المستشفي، كنت أعيش في عالمي الخاص ورحلاتي المكوكية بين الحمام للتبول وسريري لأغرق في النوم، وخيالاتي تتزايد بأن المؤتمر السياسي أو الثقافي قد بدأت فعالياته.
.
يتبع ...

الأحد، مارس ٢١، ٢٠١٠

4 - أيام طويلة ...

.
ذهبت مرة أخري لمقابلة جراح العظام. أخبرته بما حدث. كنت قد أخبرته سابقاً بأنني سأذهب لمقابلة جراح الأعصاب. والحقيقة أنني أسعي لأكبر قدر من الصدق والوضوح عند عرض حالتي لأي طبيب، فلا أخفي عليه "تشخيص" غيره لحالتي ولا نوع الأدوية التي أوصي بها، ولا قراره الذي توصل إليه. بطبيعة الحال أذكر كل ذلك للطبيب بعدما أترك له الفرصة الكافية لأن يفحص بطريقته ويدرس التحاليل والأشعات التي معي بالشكل الذي يريحه، وبعدما يقرر أيضاً ويصرح برأيه. ربما كان سبب ذلك هو أنني أؤمن بضرورة تبادل المعلومات وتوفيرها بشكل بسيط ودون تعقيدات. واعتقد أن استخدامي لتلك الطريقة – في معظم أموري – سهل لي كثيراً الوصول لحلول سليمة ومهما كانت نوع المشكلة. الأمر الآخر أنني لم أجد خلافاً كبيراً بينهما. فهو أيضاً وصف لي عدة أنواع من الأدوية. كان أهمها حقن "مركبات كالسيوم" وهي حقن مرتفعة السعر وتعمل كما ذكر لي كمسكن للألم. الفارق بينهما أنه ترك لي القرار في إجراء الجراحة وبالشكل الذي وضحته. بينما رفض الآخر مجرد مناقشة فكرة الجراحة.
قال لي بتواضع لا ألمسه كثيراً في معظم الأطباء "لقد ذهبت لواحد من الأطباء يعد أستاذاً لنا، وقراره يجب أن يكون موضع فهم وبحث". ثم أضاف " قلت لك. أننا نقسم المرضي في مثل حالتك لثلاثة مجموعات، وأجزم أنه أعتبرك ضمن المجموعة التي يمكن أن تتعايش مع الألم وتستجيب للعلاج". ثم أضاف "كل مايمكنني نصحك به الآن هو أن تستخدم ما وصفه لك من أدوية، وأيضاً تستخدم نفس الأدوية التي وصفتها لك. وهناك تشابه في الثلاثة أنواع فلا بأس أن تتناول تلك الثلاثة أنواع، ولا تنسي أن واحد منهم مجرد فيتامينات ب". كنت أستمع له بهدوء وتركيز شديدين وتركته يكمل "حاول مع الأدوية الموصوفة لك، علي أن تكررها مرة أخري. ثم لنري ماذا ستكون النتيجة".بالفعل واظبت علي استعمال الأدوية، وشعرت بعد أسبوع تقريباً أن هناك نوع من التحسن في "حدة الألم" وإن كان طفيفا للغاية.
انتابني شعور بالتفاؤل وقررت استمرار تناول الأدوية بانتظام ثم تكرارها لعشرة أيام أخري كما أوصي كل من جراح العظام وجراح الأعصاب.. ومع ذلك ظل الألم كما هو. صحيح أن حدته قلت بعض الشيء. وبنسبة قليلة للغاية. لكن الباقي منه كان كافياً أن يعكر مزاجي ويشعرني بنوع من عدم الاتزان ولا المقدرة علي التفكير ولا عمل أي شيء بما في ذلك حمل زجاجة ماء من المطبخ لغرفة نومي. وأسوأ ما في الأمر هو حالة الإكتئاب التي لصقت بي بحيث كان النوم هو العلاج والمسكن. لكن كيف أستطيع النوم دون استعمال ما يحذرني الأطباء منه "الأقراص المهدئة وحقن المورفين".
لا يستطيع أي فرد أن يتحدث - وهو يتألم - عما يشعر به من ألم بشكل دقيق، ولا أن يصفه بكلمات واضحة أو يصف تأثيره عليه. ربما أمكنه أن بتحدث عن كل ذلك وبشكل مقتضب بعدما يفيق من نوبات الألم التي تهاجمه. دعك من تأثير كل ذلك من وصف علي الزوار والأصدقاء. الكثير منهم لا يستطيع أن يشعر بما تكابده أو تتحمله. والأدهى أن ينصحك البعض – بجدية العارفين - بتناول قرص أسبرين وأخذ حمام ساخن ثم المشي قليلاً في الهواء الطلق. من أجل ذلك فلي مقولة بأنه لا يشعر بالألم إلا من يكابده.
هل ينقصنا - وبشكل جماعي - أن "نحس" "ونقدر" آلام الغير؟!. أعتقد ذلك. ولعل عكس ذلك كان أحد انطباعاتي في عدة حوادث كنت طرفاً فيها أو شاهداً عليها خلال زياراتي لأوربا. الفارق كبير للغاية بيننا وبينهم. كنت أشعر – هناك - أن مجرد أن يصرح إنساناً ما بأنه يتألم، وبغض النظر عن جنسيته وهل هو أحد مواطنين الدولة، أو مجرد زائر أو عابر أو مقيم أو تحت أي مسمي آخر، وبغض النظر – طبعاً – عن دينه أو مذهبه أو عرقه أو لون بشرته أو أي شيء آخر. مجرد التصريح - وليس التأوه والأنين والبكاء كما نفعل - يقلب الدنيا ولا يقعدها إلا بعد أن يريحون هذا الإنسان من نهش الألم لجسده ونفسه وروحه. وهم يستخدمون – وبكرم زائد – كل أنواع الرعاية الطبية وكل الوسائل المتاحة، ويسعون بجدية ومثابرة لعلاج وشفاء هذا الإنسان، فضلاً عن المعاملة الراقية والتحدث معه بأدب متناه إضافة لكثير من اللمسات الحانية ولعل هذا هو المهم.
أشعر أنني أثقلت عليكم وعلي أيضاً. أرجو المعذرة.
.
يتبع ...
.

الجمعة، مارس ١٩، ٢٠١٠

3 - أيام طويلة ...

.
ذهبت لزيارة جراح شهير للمخ والأعصاب. تقع عيادته بوسط البلد كما نقول بالقاهرة. بأول شارع فؤاد أو شارع 26 يوليو يمين مبني دار القضاء العالي الشهير والذي يظهر كثيراً بالأفلام وبجوار المقهى الشهير " الأمريكين". اتفقت مع زوجتي أن نتقابل بهذا المقهى قبل موعدي مع الطبيب بفترة كافية. في الحقيقة كانت فرصة طيبة أن أدعوها لتناول الشاي أو القهوة ونحن نتبادل الحديث.
"يعد وسط البلد" من الأماكن الجميلة التي كنت أحب المشي بشوارعها لمدة طويلة – أثناء دراستي بالجامعة وبعد تخرجي بسنوات قليلة – ثم الجلوس بأحد المقاهي الصغيرة لشرب فنجان قهوة أو كوب شاي. لم أكن أشعر بالملل خلال تسكعي الذي يستغرق عدة ساعات وأنا أشاهد الأزياء المعروضة بفاترينات المحلات الكثيرة، وقراءة أسماء الكتب والمجلات والجرائد وعناوين أحدث الإصدارات والمفروشة فوق الشارع بتناسق جميل أمام "أكشاك بيع الجرائد". ثم مواصلة المشي "لسور الأزبكية" العامر بأنواع كثيرة من الكتب والتي تباع بأسعار زهيدة، وعلي مرمي حجر منه يقع المسرح القومي. كننت حريصاً للتعرف علي أسماء الفنانين المشاركين في آخر مسرحية، ثم التفكير العميق في كيفية توفير ثمن تذكرة دخول لذلك المسرح الرائع، والذي أتحفنا علي مدار تاريخه بأعمال مسرحية رائعة من تأليف وإخراج أساتذة كبار في فن المسرح.
كنت أجد متعة أيضاً في الوقوف للحظات، لقراءة ومشاهدة " أفيشات الأفلام الحديثة " بدور السينما العديدة. وبطبيعة الحال كنت أحب الوقوف أمام فاترينات محلات بيع "الخمور والمشروبات الروحية" والتعرف علي الكثير من أصنافها. يعجبني طريقة عرض زجاجات الكونياك والزبيب والويسكي والشمبانيا.
هناك علي ناصية فؤاد وطلعت حرب مجموعة من الأكشاك الجميلة الخاصة ببيع السجائر ودخان البايب وشرائط الموسيقي والأغاني. كنت أحب التعرف علي الأصناف العديدة من "دخان البايب" وشراء كيس دخان لاستعماله. كنت استمتع - في هذا الوقت – بتدخين البايب والذي انقطعت عنه وعدت لتدخين السجائر لأسباب عملية. فهو يحتاج لحيز كبير له ولكيس الدخان إضافة "لمعدات" تنظيفه والتي كنت أحافظ عيها لحد الهوس. وبطبيعة الحال كنت أعشق مشاهدة " الناس خاصة النسوة الجميلات" واللاتي يتسكعن أو المشغولات بشراء حاجاتهن.
مع الوقت قلت زياراتي "لوسط البلد" لحد كبير ومخجل بحيث أصبح ذهابي يعد علي الأصابع خلال السنوات الأخيرة. ربما يعود ذلك لسكني بمنطقة بعيدة والأهم انشغالي بأمور كثيرة أخري. ومع ذلك فحنيني للتسكع بتلك الأماكن يظل مؤثراً بحيث أمارس بعضاً من طقوسي السابقة كلما سنحت لي الفرصة حتى لو كان موعداً مع جراح المخ والأعصاب.
ولأنني لا أستطيع السير لمسافات طويلة مثلما كان يحدث فقد فضلت التجول بين أكشاك بيع السجائر والدخان. ودون جدوى لم أستطع العثور علي دخان سجائر " لف" مستورد أو محلي، ولا حتى سجائر مستوردة. قال لي أحد أصحاب تلك الأكشاك أن القانون يحرم بيع تلك الأشياء، وأن مايتم بيعه – إن وجد – يعد مهرباً علماً بأنه يباع لأصحاب تلك الأكشاك بواسطة القادمين من الخارج أو رواد الأسواق الحرة، كما أن معظم السجائر المستوردة تصنع بمصر حالياً. هنا فطنت أنه ينظر إلي بريبة وتوجس وربما ساورته الشكوك بأنني موظف بالجمارك أو الضرائب. أجبته بأنه يبدو أن الحكومة تفضل أن ندخن "زبالة" مطبوع عليها أسماء ماركات أجنبية. ارتاح لإجابتي وارتاح لي شخصياً ووجدته يناولني علبة سجائر أمريكية لكن شكلها كان غريباً. كنت متلهفاً لتدخين سيجارة جيدة، ففتحت العلبة وسحبت واحدة وأشعلتها. قال البائع ستعجبك. يمكنك شراء العلبة الثانية فليس لدي سوي علبتان. المهم ما رأيك فيها.؟ أجبته "زبالة أيضاً، لكنها هذه المرة زبالة أمريكية".
أتت زوجتي في موعدها وفضلت تناول كوب من الشاي مع قطعة "جاتوه مغطاة بطبقة كثيفة من الشيكولاتا"، وفضلت طلب فنجان قهوة "زيادة". وحين سألني "الجرسون" "عاده أم دوبل" رددت عليه باَلية " دوبل من فضلك". فوجئت بسؤال آخر "غامق ولا فاتح" وبنفس الآلية أجبته "فاتح". والحقيقة أنه كان كوباً رائعاً من القهوة. ساهم في زيادة الإحساس بالألفة بالمكان وبالجالسين به. أماكن بسيطة وليست بالضرورة أن تكون فخمة تجعلك تحس بسحر اللحظة وجمالها والتمتع بالجلوس والحديث مع زوجتي لتمضية وقت لا يجده معظم المتزوجون مع زوجاتهم.
صعدنا لعيادة جراح المخ والأعصاب الشهير. وهو أستاذ جامعي وتربطني به علاقة معرفة سابقة. فهو أول جراح يجري لي منذ مايزيد علي الخمس عشرة سنة عملية إزالة لغضروف بالفقرة القطنية الرابعة والخامسة. كان وقتها شاباً ولفت انتباهي إليه أنه كان قليل الكلام، ومع ذلك فكلامه – إذا أحسنت الاستماع – يبوح بالحكمة والمعرفة العميقة. يعجبني هذا الطراز من الأطباء، ولعل هذا هو السبب كما أردد دائماً بأن تسمية الطبيب بالحكيم تسمية لها دلالتها ومعناها. لكنها لا تنطبق – التسمية – إلا علي نوعية قليلة من الأطباء. كان أول جراح يكتشف أنه لابد من عملية جراحية ليس بسبب الغضروف فقط بل بسبب الضيق في مجري "النخاع الشوكي وهو عيب خلقي تظهر أثاره المؤلمة مع تقدم العمر.
قلت له مبتسماً "كبرنا يادكتور، لكنك لا تزال وسيماً". أجابني مجاملاً "تظهر أقل في العمر مني رغم أننا مواليد نفس السنة، وتبدو أكثر وسامة". والحقيقة أنه من الأطباء الذين يحافظون علي وسامتهم بجانب مزاياه المهنية.
فحص بهدوء وصمت جميع الأشعات التي معي ثم طلب مني التمدد فوق سرير الفحص. أجري لي الفحص السريري المطلوب مع سؤالي عن أماكن الألم وشكله. ثم قال "رغم الألم فالحالة ليست بالخطيرة ويمكن التعامل معها بالأدوية لكن عليك أن تنقص من وزنك، مع بعض جلسات العلاج الطبيعي لكن بعد التأكد من زوال الالتهابات الموجودة".
قلت له أن الآلام مبرحة ولم أعد قادراً علي تحملها. ولو كان يري التدخل الجراحي علاجاً لحالتي فليس لدي مانع". قال "لا أري ضرورة لذلك ولا أنصح بأي نوع من الجراحات لحالتك" . قلت له "كنت أهرب منك في الجراحة الأولي". أجابني " وهذا دوري لأهرب منك في الثانية".
كنت علي يقين أنه لن يزيد في الشرح أو التفصيل وأنه قال كل ماعنده واتخذ قراره بالنسبة لحالتي. غادرت العيادة، ومعنوياتي مرتفعة بعض الشيء، رغم شعوري ببدء تسلل الألم لجسدي كله فور مغادرتي للمكان، كان بداخلي شعور بعدم تصديقه والميل لتصديق جراح العظام الذي يري أن الجراحة هي العلاج المؤكد بفتح ظهري لإزالة التليفات وتوسيع القنوات وتثبيت الفقرات ببضعة مسامير.
وخلال الأيام القليلة التالية ورغم مواظبتي علي تناول الأدوية الباسطة للعضلات والإبر المسكنة التي وصفها لي جراح الأعصاب وهناك دواء ثالث لم أعد بقادر علي تذكره، فقد أصابتني الحيرة الشديدة والإحباط والحزن. تزايد هجوم الألم بضراوة شديدة لدرجة أن المسكنات المألوفة لم تعد تجدي نفعاً أو تأثيراً في تخفيف تلك الآلام. وأخذت أبحث عن مسكنات أشد وأقوي وهي في الحقيقة مسكنات مخدرة "مورفينات" لاتصرف ولا تباع بسهولة في الصيدليات لكن صديق صيدلي تكفل بتوفيرها لي بعدما علم بحالتي.


يتبع ...
.

الخميس، مارس ١٨، ٢٠١٠

2 - أيام طويلة ...

.
أعاني منذ مدة طويلة – لعلها تزيد عن الثمانية أشهر - آلام مبرحة بظهري وكامل رجلي اليسرى وصولاً لقدمي وبدرجة أقل باليمني. لجأت إلي جراح عظام متخصص في جراحات العمود الفقري. طلب مني العديد من الأشعات العادية، وكلما عرضتها عليه كان يفحصها متمتماً " هايل، حاجه عظيمة " والحقيقة أنني لم أكن أدري ماهو الشيء العظيم أو الهائل في كل ذلك؟!!
علي كل كان بعد ترديده لتلك الكلمات يطلب مني عمل المزيد من الأشعات المتقدمة. أخرها أشعة مقطعية، أعقبتها أشعة "رنين مغناطيسي" لمنطقة الفقرات القطنية.
ومع ذلك، أفرح كثيراً حين أجد العلم يكرس تطبيقاته بشكل عملي لخدمة البشر متمثلاً في تلك الأجهزة الطبية المتقدمة والتي تساعد الأطباء في التشخيص السليم واتخاذ القرار المناسب. قلت لنفسي " لعل تلك الأجهزة هي الشئ الوحيد الهائل والعظيم ، وربما كان الطبيب يقصد ذلك".!!
شرح لي الجراح الموقف بالتفصيل. هناك غضروفان "صغيران" بالفقرة الثالثة والرابعة وآخر بالفقرة العجزية الأولي. والمشكلة الرئيسية تكمن في كثرة " التليفات" بالفقرات الثالثة والرابعة والرابعة والخامسة وأيضاً بأول فقرة عجزية. وأجمل رأيه بأن التدخل الجراحي - لمثل حالتي - يعود لمدي تحمل المريض والتعايش مع الألم. فهناك فئة من المرضي يستطيعون "التعايش مع الألم والتكيف معه" وبدون أي مساعدة. وهناك فئة أخري يستطيعون أيضاً التعايش والتكيف لكن بمساعدة الأدوية خاصة المسكنة للألم. وهناك فئة ثالثة لا تستطيع تحمل الألم ولا التعايش بمساعدة الأدوية خاصة لفترات طويلة. ويبدو أنني كنت ضمن الفئة الثالثة.
ربما كان موقفي واقتناعي الشخصي أن الإنسان يجب أن يعيش معافياً ودون أن يصاحب تلك "العيشة" أي نوع من الألم. وأشعر بالدهشة الشديدة من أي شخص يقاوم بإصرار وعناد مايشعر به من آلام نتيجة لأي سبب حتى لو كان صداعاً خفيفاً، ويكتفي بالقول أنه لا يحبذ استعمال أي نوع من الدواء حتى لو كان قرص أسبرين. كما أنني أتناول كمية كبيرة من الأدوية خلال اليوم لارتفاع ضغط الدم وأخري للقلب، ويقيني أنها تكفيني دون الحاجة لإضافة المزيد من الأدوية.
قلت له كل ذلك، وأضفت أنني أفضل الجراحة إذا كانت ستساعد في زوال أي ألم وأنها ستعفيني من استعمال كمية كبيرة مضافة لقائمة الأدوية الأخرى التي أستعملها.
ذكر لي أن العملية الجراحية لن تكون سهلة، فعليه أن يتعامل مع أربع فقرات لإزالة التليفات والغضاريف الظاهرة رغم صغرها، "فمادام قد فتح وظهر له كل شيء فعليه عمل اللازم تجاهها". ثم عليه أن يثبت ثلاث من تلك الفقرات بواسطة مسامير خاصة. كان يتحدث بحرفية كبيرة ذكرتني بميكانيكي السيارة الشاطر وحين قلت له أن الأمر أشبه بذلك قال ضاحكاً هو كذلك بالفعل. ثم أضاف بأن جراح العظام يتعامل مع العمود الفقري باعتباره جهاز حركي وعلي الجراح أن يراعي الكثير لضبط الحركة والتناسق للفقرات وقدرة العمود علي العمل والتحمل بشكل طبيعي أو قريب من الطبيعي. ويختلف هذا المفهوم في ذلك النوع من الجراحات عن مفهوم جراح المخ والأعصاب الذي يركز كل اهتمامه لسلامة الأعصاب والحبل الشوكي عند إزالة التليفات أو الغضاريف.
قيل أن أقدم علي أي جراحة، أذهب لكثير من أطباء الاختصاص، واستمع لرأي ثلاثة علي الأقل. ثم علي أن أقرر من سيجري لي منهم الجراحة المطلوبة. وبعد أن أدرس التكلفة اللازمة بما في ذلك إقامتي بالمستشفي، أتوكل علي الله وأتفق مع الطبيب علي تحديد اليوم الذي أذهب فيه للمستشفي.
قررت الذهاب لجراح " مخ وأعصاب" شهير لعرض حالتي عليه لأستمع للرأي الآخر في حالتي.


يتبع ...
.

الثلاثاء، مارس ١٦، ٢٠١٠

1 - أيام طويلة ...

.
القاهرة. العاشرة من صباح الأربعاء 24/2/2010
.
بدا الأمر لي وكأنني مدعو للمساهمة بمؤتمر ثقافي أو سياسي. كان علي أن أقضي الليلة السابقة بالغرفة المحجوزة لي منذ ليلة الأمس. غرفة واسعة وهادئة وجميلة والإضاءة بها خافتة، وهناك بأحد أركانها سرير صغير مرتب، يبعث ماعليه من فراش الإحساس بالدفء في ليلة باردة للغاية كالتي قدمت فيها. بنهاية الغرفة حمام صغير، ويفتح بابها علي ممر طويل يشكل امتداداً طبيعياً لمساحة الغرفة. الحضور كثيرون، رجالاً ونساءً. معظمهم واقف يتبادلون الحديث فيما بينهم، والبعض جلوس بالغرفة ينظرون إلي وهم يبتسمون. كان هناك شاباً له لحية طويلة للغاية. هو أقرب في الشبه "لطارق" ابن شقيقتي التي تصغرني وهو أيضاً يشبه لحد كبير واحد من نواب البرلمان الملتحيين. شعرت بالإرهاق والدوار وأنا أعتصر ذاكرتي من يكون علي وجه اليقين.
شعرت بالغضب الشديد من زوجتي وأبني. كيف أدعو لمثل هذا الحفل أو المؤتمر وأنا أرتدي ملابس المنزل، يفترض بهم أن يجعلوني أرتدي ملابس لائقة.
لم تكن لدي القدرة علي مشاركة الحضور أي نوع من الحوار وبذلت جهداً كبيراً – دون جدوى - في الاستماع لما يقولون. لم أكن بقادر علي الاستماع إليهم أيضاً. كانوا بالنسبة لي مجرد شفاه تتحرك وأجساد واقفة تتمايل. يبدو أنهم كانوا يتحدثون عن الشعب ومشاكله، وينظرون إلي بين وقت وآخر ولديهم الإصرار أن أشاركهم الحديث.
كنت أعاني من مشكلة في التبول. كان علي الدخول للحمام كل خمس دقائق تقريباً وأنا أستند علي كتفي أبني وابن شقيقتي كلما مشيت لدخول الحمام أو الخروج منه. بالكاد كنت أمشي في رحلة الذهاب والإياب لأصل إلي سريري الموضوع بنهاية الغرفة، لأعاود النظر لضيوف المؤتمر دون أية قدرة علي الرد عليهم أو الاستماع لما يقولون.
قلت لنفسي لأكن ممثلاً عن الشعب الذي يتحدثون عنه. الشعب مريض وبحاجة لنوع من الرعاية والفهم والعلاج. أغرق في نوم من نوع غريب، فلا أنا بالنائم ولا بالمستيقظ. التف حول سريري الكثير من الضيوف. كنت أقاوم ذاكرتي لأتذكرهم. لم أستطع تذكر أحدهم. زوجتي تلح علي أن أجيبها هل يستدعون لي طبيب قلب متخصص أم نغادر المكان لآخر. كنت متفائلاً بتكملة الليلة والمشاركة في الحوار عن الشعب ومشاكله، ربما استطاع الطبيب أن ينقذ مايمكن إنقاذه، ويجعلني استعيد حيويتي للوقوف ثانية والانتباه لما أقول ويقولون. أشرت لزوجتي بضعف شديد باستدعاء الطبيب.
كنت أعتقد أنني استيقظت من نومي - الليلة السابقة - وكل ماكان يحدث حولي حدث أثناء الليل. ولم أستوعب أنه صباح يوم جديد وأنه سيمر علي – هذا اليوم - طويلاً وصعباً ، لا يعترف بي ولا أعترف به كواحد من أيام عمري، حاله حال بضعة أيام سبقته وأخري ستأتي بلا شك. ومع تداعي أفكاري رحت في غيبوبة عميقة لم أفق منها إلا ليلاً.
.
يتبع ...
.
..

الثلاثاء، أكتوبر ١٣، ٢٠٠٩

حجاب المرأة بين التشريع القرآني وفساد التأويل ..

هل شرع الله زياً خاصاً للمرأة ...

سيظل هذا الموضوع ضمن الموضوعات القابلة للنقاش مرات كثيرة ومعادة . ناقشناه بنغم أكثر من مرة. ولعل المرة الهامة – من وجهة نظري – كانت مناقشته بشكل جزئي بالموضوع الهام الذي أثرته منذ فترة طويلة تحت عنوان " حقوق المرأة بالسعودية .. ويغض النظر عما توصلنا إليه من نتائج بهذا الموضوع فقد رأيت أن إعادة مناقشته بشكل مستقل ستكون له الفائدة الكبيرة خاصة بعدما نشرت موضوعاً نسب للشيخ محمد عبده بعنوان : ليس في الشريعة نص يوجب الحجاب. وإن كنت أري – كما يري زميلي وصديقي ابن الأرز - أن العنوان الذي يفي بالمقال حقه هو: "ليس في الشريعة نص يوجب النقاب" . فالحديث كله يدور حول أهمية إظهار وجه المرأة، وأنه ليس هناك ما ينهي عن ذلك في القراًن. وتلك وظيفة النقاب وليست وظيفة للحجاب بطبيعة الحال، وهو الزى الذي ارتضاه المشرع المسلم "الرجل" للمرأة لتغطية رأسها.
وعلي كل حال ورغم نشري للموضوع والإشارة إليه كموضوع منقول كان يهدف بالدرجة الأولي الاستفادة منه بالقراءة والتعرف علي أفكار شيخنا محمد عبده باعتباره مفكراً ومصلحاً ومجدداً حاول أن ينير العقول ويتقدم للأمام عدة خطوات عبر رحلة الزمان " الواقف " بجمود وشموخ وعناد في بلداننا. وكفا شيخنا - من كل محاولاته - شرف المحاولة وشرف حمل مصباح التنوير، دون أن يحدث أي شئ منهما عبر المكان أو الزمان أو العقول والنفوس. بل ربما تحركت الأمور والأصح أنها جامدة في مكانها أو في محاورها الثلاثة أو الأربعة بوتيرة تخلف متصاعدة وأشد هولاً عن أيامه هو نفسه.
وما سأفعله هو محاولة أشد تواضعاً مما دعا إليه الشيخ محمد عبده ولعلها بالنتيجة ستكون أشد تأثيراً في اتهامنا بما ليس فينا وبما هو أشد قتامة في عدم الفهم المتعمد وحرب مستعرة لدعوات مماثلة للشيخ وآخرين بعده سبقونا إلي الدعوة والكتابة والاكتفاء بشرف المحاولة.
وعلي كل فكل ذلك أفضل من الرجوع بذراع مكسور أو ضلوع محطمة أو ساق لا تقو علي حمل صاحبها لمدة طويلة. وكل ذلك مجرد رسائل بليغة لمن يفهم ويتعظ ويقدر بأن المرة القادمة سيكون أوان القطع والبتر لتلك الأعضاء وللسان صاحبها قد جاء.
ويبدو أنه نوع من الإنصاف - الغير عادل وغير مقبول - أن تكسر الأقلام قبل الضلوع والأذرع والأرجل. وياله من كرم زائد أن تكون المقدمات " في التكسير والبتر والإيذاء " تسبق ما هو أشد وأنكي. اليس كل ذلك بمقياس الكرم الحاتمي ومقاييس الحكمة والموعظة الحسنة والاستتابة أفضل ألف مرة مما كان يحدث في عصور الظلمة بأوربا ، حيث كان هناك حرق الأحياء من المفكرين والعلماء وحيث كانت صكوك الغفران ووعد بمكان في الجنة مقابل الصمت والدفع.
ألا يشكل ذلك فارقاً بيننا وبينهم يضعنا في مصاف " الأحسن والأقوم والأرفع منزلة " أم أن كل الحكاية هي دورة من عمر الزمان يسود فيها التخلف إلي حين فيزداد قسوة وهمجية، وتتصاعد وتيرة القتل والتخريب بحجة الحفاظ علي الدين والحفاظ علي ثوابت لاتمت للدين بصلة من بعيد أو قريب، بقدر ماهي ثمرة تأويلهم الفاسد والقاصر والعاجز والجاهل.
أراهن علي الوقت وتأثيره في كافة مناحي الحياة والفكر. ليس بشكله المجرد الصامت والعاجز بقدر ماهو عامل هام وحيوي لابد له أن يتحرك للأمام بما يحمله من إرهاصات ومعاناة وتطلعات للأفضل بداخله.
معذرة لكم ومعذرة لشيخنا الجليل محمد عبده. ولنبدأ علي بركة الله ..
....
1 – غطاء الرأس أو الحجاب .

1- معني الحجاب في اللغة العربية .

حجب (لسان العرب)
الحِجابُ: السِّتْرُ. حَجَبَ الشيءَ يَحْجُبُه حَجْباً وحِجاباً وحَجَّبَه: سَترَه. وقد احْتَجَبَ وتحَجَّبَ إِذا اكْتنَّ من وراءِ حِجابٍ. وامرأَة مَحْجُوبةٌ: قد سُتِرَتْ بِسِترٍ. وحِجابُ الجَوْفِ: ما يَحْجُبُ بين الفؤَادِ وسائره؛ قال الأَزهريّ: هي جِلْدة بَين الفؤَادِ وسائر البَطْن. والحاجِبُ: البَوَّابُ، صِفةٌ غالِبةٌ، وجمعه حَجَبةٌ وحُجَّابٌ، وخُطَّتُه الحِجابةُ.
وحَجَبَه أَي مَنَعَه عن الدخول. وفي الحديث: قالت بنُو قُصَيٍّ: فينا الحِجابةُ، يعنون حِجابةَ الكَعْبةِ، وهي سِدانَتُها، وتَولِّي حِفْظِها، وهم الذين بأَيديهم مَفاتِيحُها.والحَجابُ اسمُ ما احْتُجِبَ به، وكلُّ ما حالَ بين شيئين: حِجابٌ، والجمع حُجُبٌ لا غير.
وقوله تعالى: ومِن بَيْننا وبَيْنِك حِجابٌ، معناه: ومن بينِنا وبينِك حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّين؛ وهو مثل قوله تعالى: قُلوبُنا في أَكِنَّةٍ، إِلاَّ أَنَّ معنى هذا: أَنـَّا لا نُوافِقُك في مذهب.
والحاجِبانِ: العَظْمانِ اللَّذانِ فوقَ العَيْنَينِ بِلَحْمِهما وشَعَرهِما، صِفةٌ غالِبةٌ، والجمع حَواجِبُ؛ وقيل: الحاجِبُ الشعَرُ النابِتُ على العَظْم، سُمِّي بذلك لأَنه يَحْجُب عن العين شُعاع الشمس. قال اللحياني: هو مُذكَّر لا غيرُ، وحكى: إِنه لَمُزَجَّجُ الحَواجِبِ، كأَنهم جعلوا كل جزءٍ منه حاجِباً

2 - كلمة الحجاب في القراَن الكريم ..
1 - وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً [الإسراء : 45]
2 - وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف : 46]
3 - وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً [الإسراء : 45]
4 - فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً [مريم : 17]
5 - وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5]
6 - فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [صـ : 32]
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى : 51]
7 - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب : 53]
...
يتفق القراَن الكريم في معني الحجاب بنفس المعني المقصود بدلاله الكلمة اللغوية. فالحجاب يعني الساتر أو الحاجز بين منطقتين " مكانياً ". والكلمة تؤدي نفس الوظيفة إذا ما استخدمت للتفريق أو الفصل بين "الأفكار والمعتقدات". وكمثال تطبيقي شائع الاستخدام، استخدامنا لكلمة الحجاب الحاجز . ورغم أن الكلمة تعد اسماً طبياً لجزء من أجزاء الجسد الداخلية إلا أنه يحمل دلالته ووظيفته بأنه " حاجز " يحجز بين منطقتين حيث يعرف الحجاب الحاجز بأنه عبارة عن حاجز عضلي يفصل بين القفص الصدري و التجويف البطنى.

يستند كثير من المفسرين لشرعية الحجاب بالآية السابعة والتي يمكن فهمها بشكل أفضل بالقراءة عند ترتيبها حسب المعاني الواردة بها وعلي الشكل التالي:
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ
- وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا
- فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ
- وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
- وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً
- إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب : 53]

ويلزم الأمر أن نستعرض سبب أو أسباب نزول تلك الاَية :
قال عمر بن الخطاب للنبي (ص) "يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يتحجبن يعني أن لا يحاورن الرجال مباشرة بل من خلال حجاب يفصل بينهم. فنزلت الآية". " منقول"
....

الآية – بالنص - حكمها قاصر علي نساء النبي والأمر فيها قادم مباشرة من الله . ويلاحظ أن الله لم يأمر نساء النبي بارتداء الحجاب، بل طالب الرجال أن يكون حديثهم معهن أو سؤالهم لهن " من وراء ساتر ". لا حظ كلمة " من وراء " وما تعنيه من معني. وكلمة من وراء حجاب لا تعني إطلاقا اللباس أو الحجاب الذي نعرفه والذي تضعه المرأة فوق رأسها.
والآية تضع ضوابط للتأدب – خلافاً لعرف جاهلي كان سائداً - حين الدخول لمنزل الرسول، وتنظم العلاقة في كيفية التعامل مع نساء النبي. فالآية تتحدث عن وجوب وجود ساتر ( حجاب ) يفصل بين نساء النبي ومن يحدثهم من الرجال. "وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذالكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً". فالآية تشرع بعدم الزواج من زوجات النبي بعده. وغني عن البيان أن هذا التشريع أرتبط بفترة زمنية مضت وولت.
ومع ذلك تظل الآية مرجعاً لضوابط التأدب حين دخول رجل غريب لمنزل أحد أصدقائه مثلاً والحديث مع النساء المتواجدات. فكلنا يعلم أن للمنازل حرماتها، وأن النساء داخل منازلهن لهن الحق في تمضية وقتهن - بما في ذلك ارتداء ما يرونه مريحاً لهن خاصة للمناطق الحارة وحيث لا توجد أجهزة تبريد أو تكييف للهواء مما يجعل النساء يخففن من ملابسهن إلي درجات كبيرة.
وليس لأحد الحق أن يتعقبهن داخل منازلهن بالأمر والنهي ولبس الحجاب أو النقاب تحوطاً لهجوم سافر من رجل تنقصه الكياسة والتأدب. بل الأقرب للواقع والأصح أن يكون الحوار مع الرجال في تلك الحالة " من وراء حجاب " حفاظاً علي الوضع " الخاص " الذي قد توجد المرأة فيه وقتها واحتراماً لخصوصيتها.

ولعل هذا الفهم يكون كافياً لتوضيح عدة أمور أراها علي قدر كبير من الأهمية :
1 – ليس هناك تشريع - بنص الآية - يلزم المرأة بتغطية رأسها. أو يلزم الرجل بإجبار المرأة علي تغطية رأسها.
2 – الآية في مضمونها الصريح وما تبوح به كلماتها هي دعوة للتأدب عند الحديث مع امرأة داخل بيتها واحترام خصوصيتها . لاحظ أن الدعوة للحديث " من وراء حجاب " هي للرجل وليست للمرأة. وبمعني أكثر تحديداً فالرجل هو المطالب بالبحث عن أنسب ساتر أو حجاب يتيح له الحديث – من وراءه - بأدب واحترام مع المرأة .
3 – ومادام الحديث يتناول أمراً له علاقة بالأدب واحترام الخصوصية، فلا يمكن لعاقل أن يتهمني بأنني أدعو لتبرج المرأة أو أنها دعوة للتعري إلي آخر ما يقال من اتهامات باطلة ومنحرفة في مثل هذا الأمر.
4 – تلك الآية شأنها شأن باقي الآيات التي طالها فساد الفهم والتأويل والإفتاء لا تتحدث من قريب أو بعيد عن أي نوع من الأزياء لا للرجل ولا للمرأة.
5 – لم أشأ التحدث عن الحديث النبوي: قال صلى الله عليه وآله وسلّم: "يا أسماء ، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه" - رواه أبو داود - صدق رسول الله.
فالحديث أحادي المصدر كما وأنه روي بطريقتين مختلفتين مما يجعلنا في حرج من قبوله كحديث صحيح يأول لغير ما دعا إليه الله.
ورغم أن هذا الحديث يعطي شرعية للمرأة أن تظهر وجهها خلافاً للفهم السائد ولما هو معمول به، ومع ذلك يبدو الأمر غريباً أن يفهم من هذا الحديث أنه حظر لظهور شعر المرأة. ودعنا نقل أن الأصح أن هذا الحديث ُأول لحظر ظهور منطقة (الرأس) للمرأة ؟!! مع أن الحديث يذكر أن الرسول (صلعم) أشار إلي وجهه وهي إشارة تعني منطقة الرأس بأكملها، فالوجه كما هو معروف جزء من الرأس. ولو كان يعني بإشارته تلك الوجه فقط لمسح وجهه بكفه، ولم يكن هناك داع لأن يشير لوجهه. ولتغيرت كلمات الحديث بطبيعة الحال. ثم يأتي من يحظر أيضاً بالمخالفة للقراَن وبالمخالفة لهذا الحديث ليطالب بحظر ظهور وجه المرأة أيضاً؟!! بحيث تكون النهاية اختفاء كامل لأداة التعرف علي المرأة. يبدو أن هذا هو المطلوب.
6 – يتبقى أن أقول أن استخدام المرأة للحجاب أو عدم استخدامه هو أمر يعود للمرأة نفسها وفق تقديرها لأمور كثيرة ليس من بينها مخالفة الشرع والدين، وبما يمليه عليها فهمها لتلك الأمور، وليس فهم " المشرع الرجل " الذي ارتكب خطيئة الفهم عن قصد وعمد لآيات القراًن مما أوقعه في محظور " فساد التأويل " لنفي جنس المرأة بحجب أداة التعرف لكينونتها وشخصيتها وحضورها بتشريع فاسد وباطل بحجب أداة التعرف عليها " الوجه " وصولاً لسلب الكثير من حقوقها الأصيلة دنيوية أو دينية .
.....
سأحاول الاقتراب بهدوء وفهم من باقي تلك الآيات والتي شابها قصور الفهم وفساد التأويل.
تتبقي نقطة أخيرة: لماذا كل هذا الإصرار علي التأويل الفاسد والخاطئ لاَية الحجاب حتى أنهم يضعونه كأحد الثوابت الدينية متهمين من يخالفهم الرأي والتأويل بالكفر والهرطقة. سأعاود الكتابة في تلك النقطة أيضاً..
...
أستأذنكم في قراءة هذا المقال وهو مكتوب بقلم أحد السلفيين الشباب .
http://knol.google.com/k/حامد-حماد/أم-ور-م-حي-ره/11abermsjx6wk/16#
...

فضلت نشر بعض الردود لمقال الدكتور صالح بن محمد المسند - والذي يحمل نفس عنوان مقالي - بصفحة جديدة ونشر تلك الردود كمقال منفصل . ويمكن الرجوع لتلك الصفحة من خلال الرابط
2 -
حجاب المرأة بين التشريع القراَني وفساد التأويل .بعض الردود لمقال الدكتورصالح ....

..

الأحد، مايو ١٧، ٢٠٠٩

من وراء قمع ومصادرة حرية المرأة والرجل؟! ...

..
أما قبل .. لنقرأ ونفهم :

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة : 71]
وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 72]

هل توحي تلك الآيات بأي نوع من التفضيل للرجل المؤمن عن المرأة المؤمنة؟ هل فضل الله جنس الرجل عن جنس النساء.؟ وهو سبحانه الذي يتحدث عن المؤمنين والمؤمنات بنفس القدر من التساوي في التكليفات الشرعية وبنفس القدر من التساوي في وعد الله لهم بالجنة. وهي أيضاً القاعدة حين يتحدث عن " عموم الناس " والمؤكد أن ذلك يشمل الذكر والأنثي وليس الذكر وحده.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة : 161]
وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 224]


وفي خطاب عام للناس بشكل مباشر وصريح لا يقبل التأويلات المريضة أو المتعسفة يقرر الله حكمة الخلق من ذكر وأنثي لجعل الشعوب والقبائل تتعارف. أي أن المعرفة هي الهدف وبغض النظر عن اللون أو العرق أو الجنس.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات : 13]

وبصيغة عادلة ومحكمة يساوي الله بين الذكر والأنثى. فهو يتحدث عز وجل عن النفس البشرية دون أن يخص بالحديث النفس الذكر دون النفس الأنثي ليقرر:

لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة : 286]
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس : 7و8]


ويخص الخطاب ألقراني الرجال ببعض الآيات التي تحدد وتكيف العلاقة بينه وبين المرأة.

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً [النساء : 34]
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة : 222]
...
أود العودة ولأسباب كثيرة إلي هذا الموضوع ثانية. أجد - وضمن هذه الأسباب - أن مايحدث من تجاوزات لا تطول حرية المرأة فقط بل وحرية الرجل أيضاً. وتحدث تلك التجاوزات – كما في الحالة التي سأعرضها عليكم - في أمور قد تبدو صغيرة للغاية، لا تستدعي أن يقام نقاش حولها فضلاً عن المطالبة بأي نوع من الحقوق. ما رأيكم حين تهدر كل الحقوق. كلها.... كلها. حقوق المرأة وحقوق الرجل أيضاً. في كل الحقوق صغيرة أو كبيرة.
ثانية وثالثة وللمرة الألف سأظل أقول أن الحقوق تهدر كلها وليس بعضاً منها. حتى لو رفع الرجل لافتة ضخمة تقول أن تلك المرأة المحجبة أو المنقبة التي تمشي خلفي، أو تقعد بجواري هي زوجتي ووفق ما تقررونه وتقرره الشريعة الغراء.
يبدو أنه في كل الحالات فهناك رأي ثان أو لعله رأي أول للجهة والذين أعطوا لأنفسهم الحق في حفظ الآداب وحماية الشريعة. تذكرني تلك الجملة بأخرى تردد لتأييد الأنظمة السياسية الثورية والتي تتستر علي ما يحدث من قهر ومصادرة للحريات بأنهم يهدفون حماية المكتسبات النضالية والثورية و ..
.
نعم ففي كل الأحوال ما يحدث سواء هنا أو هناك هو ضرب من العبث والسفه والغباء والقسوة والهمجية في التعامل مع أبناء الوطن الواحد وتحت مسميات لا تمت لأي فكر أو ضمير أو علي الأقل ولو بالحد الأدنى للفهم الإنساني دون تعصب أو انغلاق أو تحجر أو قسوة وتصلد للقلوب.
.
الطامة الكبرى حين يصبح كل ذلك " اتجاها عاماً " يقرره السادة الملتحون الذين رضعوا الوهابية حتى الثمالة. والذين تفوح من حافظة نقودهم رائحة النفط، والذين يسعون للحصول علي المزيد من تلك الأموال، وتقمصوا دور الدعاة والوعاظ عن جهل مطبق. واعتقدوا أن اللحية والجلباب القصير، والسواك يطل من جيبه العلوي، والكرش الممتد أمامهم. اعتقدوا أن كل ذلك حصانة لهم تعطيهم الحق في الفتوى والوعظ والإرشاد، وهي حصانة تعفيهم في نفس الوقت من الاعتراض عليهم ومحاسبتهم والصراخ في وجوههم بأنهم يجرون البلاد والعباد إلي منحي خطير وهائل من التخلف والتفرقة وصولاً لقتل وترويع أبناء الوطن الواحد بعد تقسيمهم لمؤمن علي شاكلتهم، وآخر كافر لا يستحق سوي القتل أو التنكيل به . هذا ما يفهمونه من فبول الآخر، ولعل الأفضل أن أقول هذا هو كل ما يفهمونه أولئك الجهلة المتزمتين الذي يحكم الغباء تفكيرهم من قبول الناس.
.
وكمثال. ذلك الجاهل الذي جاء لأحد صفحات مقالاتي وأعطي لنفسه الحق أن يسبني ويتهمني بكل جهل وسوء أدب بتعليقه لمقالي
الحرية والمرأة .... وكيف لا وهو يطيل لحيته ليتقمص دور مولانا الواعظ ، أو المفتي أو مخلص البشر من كفرهم، وكيف لا وهو يردد كالببغاء كلام أهل الصحراء بكل عنجهيته وتخلفه وتشدده الأحمق، وأخيراً ولعل هذا هو الأهم، وكيف لا وقد ذاق حلاوة اكتناز " البترو – دولار."
واعتقد أنه لم يقرأ المقال، وهو إن قرأ فأجزم أنه لم يفهم. والأغلب أنه كتب ما كتبه إرضاء لأحدهم أو طلباً لثمن، أو إرضاء لتيار فاسد سائد. تعليقه الغير مهذب موجود بنفس الصفحة ولن أحذفه، وهو برأيي لا يمثل رأي رجل عن حق كما أنه لا يمثل أخلاقيات الرجل المسلم وفق ما تمليه ضرورات التأدب وعدم التطاول والفهم، وكل ذلك تفرضه الشريعة والفهم السوي للإسلام.
.
ولم اندهش لذلك بعدما طالعت صفحته الرئيسية فهي أشبه بطلب تقديم لوظيفة، فهو يعرض صورته وهو ملتح ولا يكتب سوي عن خبراته ومدتها. وزاد تأكدي بعدما قرأت ما يسميه بأحد مقالاته. فهو وبشكل دعائي فج يروج لسلعته ولعبقريته وكيف أن الكثير من عرب الخليج علي اتصال دائم به لمساعدتهم في حل بعض المشاكل التقنية. الغريب أنه يعمل بالفعل بالسعودية ويبدو أنه يبحث عن دولة خليجية أخري تمنحه المزيد من الدولارات المعبقة برائحة الجاز، وبالتوازي المزيد من التخلف والحماقة والجهل والتشدد الأعمى .
.
والجميع من عينة هذا الجاهل الملتحي يرون أن حرية المجتمع في نقاب المرأة، أي في عدم إظهار هويتها ولا شكلها ولا هي أيضاً مسموح لها بالتعبير عن شخصيتها ومشاكلها. منطق غريب يتبناه الكثير منهم. والأغرب أنهم يلوون عنق الحقيقة ويشوهونها للحد الذي يدعون فيه أن الحرية للمرأة ولهم وللمجتمع كله تكون مع النقاب ولا حرية بغير ذلك ؟!!!
إنهم وببساطة شديدة حكموا علي أكثر من نصف المجتمع بالنفي والسجن دون أن يواتي الواحد منهم الشجاعة ولا الحكمة ولا الكياسة ولا العقل أن يتحدث بنفس المنطق عن الرجال.
...
حين أطالع خبراً تكون هيئة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " طرفا فيه أصاب بنوع من الدهشة المريرة وتنسحب الصور والألوان والأشكال والتعبيرات وحتى أكاد أشم روائح القرن السابع عشر أو ما قبله لقد . بح صوتي خلال نقاشنا لموضوع " حقوق المرأة في السعودية " عن تلك الهيئة " الدينية ". ما شكلها الإداري؟ وما شكل تسلسل قياداتها؟ علي الأقل الإدارية وليست "الروحية". ولم نجد إجابة واحدة مقنعة يمكنها أن تغطي الموضوع. ومع الوقت تتوالي الأخبار وتفوح الروائح، أو بالأحري مع سهولة نقل الخبر من داخل المملكة لخارجها. ورغم كل محاولاتهم لحجب الخبر الذي بين أيدينا ورغم أنه ليس بالأكبر ولا هو بالأغبى كحدث، يمكن أن يحدث عشرات المرات بل قل مئات المرات كل يوم بطول المملكة وعرضها. ومثل هذا الخبر يبين لنا أنها ليست بهيئة داعية للمعروف ولا هي بناهية عن المنكر. بل هم " جهاز " ضخم له إداراته ومكاتبه وقياداته وسجونه وأنه يفوق " الجهاز" التنفيذي وأقسام الشرطة صلاحيات ومقدرة. أنهم أشبه بجهاز " المخابرات العامة " كما نقول بمصر أو أشبه بجهاز " الأمن العام " سيئ الصيت والسمعة والذي نرتجف من مجرد النطق باسمه في معظم الدول الناطقة بالعربية..
.
لنقرأ هذا الخبر ثانية ...وثالثة
ولنعد من حيث ابتدأنا ...
وليس هناك من اعتذار من أحد لأحد . فالوقت قد ضاع . لا يهم، وهو أي الوقت ليس له من ثمن، فهو بالمجان أشبه بحالنا أو هو أشبه بنا. من فضلك اقرأ واعرف كيف يصون وكيف يحمي النقاب الحريات التي يوعدون الناس بها .
نص الخبر ..
تمسك المواطن السعودي محمد القحطاني بحقه في رفع قضيته ضد جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، وتصعيدها رغم الاعتذار الذي تقدم به رئيس الهيئة الشيخ عبد العزيز الحميّن أثناء اللقاء الذي جمعهم اليوم في مكتب الحمين. وقال القحطاني في اتصال هاتفي مع "إيلاف" ان ما بدر من جهاز الهيئة من تعدي وقذف له ولزوجته أمر لا يمكن السكوت عنه، حتى وان قدم رئيس الهيئة اعتذارا له، حيث ذكر القحطاني لـ"ايلاف" ان الحمين استقبله استقبال أكثر من رائع وقال له انه ضد ما حصل.
لكنه مع ذلك سيتمسك بحقه في القضية التي شوهت سمعته وقال لن أتراجع عن قضيتي التي سأسعى لان تصل للملك ولن ترضيني إقالة مدير العلاقات العامة والإعلام أحمد بن محمد الجردان.
وكان عبد العزيز الحمين رئيس الهيئة قرر إيقاف الجردان عن العمل وتحويله للتحقيق على خلفية البيان الذي نشر قبل يومين في الصحف السعودية بخصوص قضية القحطاني وزوجته والذي لم يكن بعلم رئيس الهيئة.

كما تم إيقاف الأعضاء المتورطين في قضية القحطاني عن العمل الميداني وتحويلهم للتحقيق، وتعتبر هذه خطوة ايجابية للحمين الرئيس الجديد الذي يبدو انه اكثر حزما وصرامة مع موظفيه خصوصا الميدانيين، الذين كثر اللغط حولهم في السنوات الأخيرة.
مصادر إيلاف تشير إلى أنه من المتوقع أن يتم إعتذار بأسم رئيس الهيئة للقحطاني صباح الغد عبر صحيفتي الوطن والرياض المحليتين، وهو ما يعد سابقة تشهدها الساحة المحلية ووسائل الإعلام.

رواية القحطاني لوسائل الإعلام أثارت الكثير من الجدل في الأوساط المحلية، مادفع الهيئة إلى إصدار بيان صحافي بعد شهر كامل من الحادثة، يقول في اول أحاديثه لوسائل الإعلام بتاريخ 19 أبريل الماضي، إن زوجته قررت الذهاب إلى أحد المجمعات التجارية غرب الرياض لتلتقي أهلها وعندما أنزلتها أمام السوق توجهت إلى محل تموينات قريب وعند دخول للمحل تفاجأت بعدد من الأشخاص ينهالون علي بالضرب وقاموا بسحبي أمام الناس بالشارع وأركبوني السيارة بالقوة والتي عرفت من شعارها أنها تابعة لجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأشار القحطاني إلى أن أفراد الهيئة تلفظوا علي بألفاظ جارحة لا تخرج من إنسان مسلم يدعي الالتزام بعد ذلك أرجعوني للسوق مرة أخرى وقاموا بإخراج زوجتي وأهلها من السوق بطريقة و سلوك غير حضاري وأمام جميع الناس وقاموا بالتحقيق مع زوجتي داخل السوق وقادوها الى خارجه وسط تجمهر كبير من المتسوقين وسط صراخ زوجتي.
وقال المواطن القحطاني إن أفراد الهيئة أخذوني إلى مركز هيئة البديعة ولم يكتفوا ذلك بل أخذوا سيارتي وكذلك جهازي الجوال الذي تمت مصادرته بالقوة واطلعوا على كل محتوياته وصادروا محفظتي الخاصة وقاموا بتفتيشها.
وأكد المواطن أن أفراد الهيئة عندما عرفوا أنهم مخطئون حذروني من نشر الموضوع في الصحف وقد ذكر لي أحد المعتدين عليه من الهيئة انه أنهى مؤخرا دورة في كيفية التعامل مع الجمهور.
...
ملحوظة هامة: لاحظ الكذب في السرد والتفسير في رد الهيئة. ولا يهم سمعة الأسرة ، ولا سمعة وكبرياء المرأة ، ولا سمعة وكبرياء الرجل .فالمرأة تهان، والرجل يضرب، والموضوع بأكمله يمكن أن يزيف بحيث لا تطول أشاوس الهيئة سوي الدعوات المباركة من العميان والطرشان. راجع التعليقات ..
...
يأتي الرد بعد ما يقارب الشهر الكامل من مدير العلاقات العامة والإعلام في الهيئة، أحمد بن محمد الجردان، البيان الذي اوقف بسببه الجردان، ونشر في جريدة الرياض وفي مايلي نصه:.
سعادة رئيس تحرير صحيفة «الرياض» سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعد:
فنشير إلى ما نشرته صحيفتكم بعددها (14878) تحت عنوان («هيئة البديعة» تعتدي بالضرب على مواطن أوصل زوجته لمجمع تجاري) وتضمن الخبر قول المواطن الذي رمزتم لاسمه ب (م.س القحطاني) (أن زوجته قررت الذهاب إلى أحد المجمعات التجارية غرب الرياض لتلتقي أهلها وعندما أنزلها أمام السوق قال انه توجه إلى محل تموينات قريب وعند دخوله للمحل تفاجأ بعدد من الأشخاص ينهالون عليه بالضرب وقاموا بسحبه أمام الناس بالشارع وأركبه السيارة بالقوة وقال: انه عرف من شعار السيارة انها تابعة لجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال المواطن القحطاني أيضاً في نفس الخبر أن أفراد الهيئة أخذوه إلى مركز هيئة البديعة ولم يكتفوا بذلك بل أخذوا سيارته وكذلك جهاز جواله بالقوة واطلعوا على كل محتوياته وصادروا محفظته الخاصة وقاموا بتفتيشها)..
عليه نفيد الجميع بأن المركز المعني قد تلقى بلاغاً يفيد بمشاهدة شخص يقوم بتقبيل امرأة ويقوم بضمها وهي كاشفة لوجهها داخل إحدى السيارات في مواقف أحد المجمعات التجارية بغرب الرياض، وعلى ضوء ذلك تم الشخوص إلى الموقع وقد تحقق رجال الهيئة من صحة ما ورد بالبلاغ وذلك من خلال إقرار المذكور نفسه بحصول ذلك منه معللاً تصرفه بأن زوجته وأنها تعاني من آثار نفسية ولتأكيد صحة قوله قام بالاتصال على المرأة فجاءت من داخل السوق وبرفقتها والدتها فتم سؤالها فأفادت انها زوجته وأوضحت أنه قد قام فعلاً بتقبيلها وضمها وهي كاشفة لوجهها داخل السيارة في مواقف السيارات، عند ذلك قام عضوا الهيئة بمناصحة المواطن وزوجته كما تم توجيههما بعدم تكرار ذلك الفعل مرة أخرى، بعد ذلك أبدى الرجل وزوجته أسفهما واعتذارهما فتم تركهما عند سيارتهما في مواقف السوق، كما نود أيضاً ان نوضح أن ما نقله المحرر خالد العوفي على لسان المواطن القحطاني من قيام عضوي الهيئة بضربه وسحبه أمام الناس وإركابه بالقوة والتلفظ عليه بألفاظ جارحة وأخذ جواله ومحفظته ومصادرتها ونقله إلى مركز الهيئة غير صحيح.
ونحن إذ نبين هذا للجميع لنود ايضاح الآتي:
1- ضرورة التزام الجميع بالآداب العامة وخصوصاً في مثل هذه الأماكن من أسواق ونحوها فما يجوز في مكان خاص لا يجوز في مكان عام وخصوصاً ما يجري بين الزوجين.
2- نود من صحيفة «الرياض» ووسائل الإعلام الأخرى تحري المصداقية في النقل وألا تعتمد على ما ينقله محرروها ومراسلوها إلا بعد التمحيص والتأكد والتثبت فدور وسائل الإعلام ومنها هذه الصحيفة دور ينطلق على الحقائق وليس دوراً ينطلق من النشر لذات النشر!!
3- الرئاسة إذ تنشر تعقيبها هذا تحتفظ بحقها فيما حمله هذا الخبر من افتراء عليها وعلى منسوبيها.
لإطلاع سعادتكم ونشره كاملاً في نفس المكان الذي نشر فيه الخبر المشار إليه أعلاه وذلك حسب ما يقضي به النظام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مدير العلاقات العامة والإعلام أحمد بن محمد الجردان
......
زوجة القحطاني بدورها، وهي أكثر المتضررين كانت من ضمن المعلقين على بيان الهيئة، وعبر الردود المعقبة على البيان جاء ردها:
اقسم بالله انا هذا الكلام غير صحيح فقد دخل خلفي في السوق اكثر من عضو في الهيئة واخرجوني من السوق وسط تجمهرمن الناس ووجدوا زوجي في سيارة الهيئة وكانوا يتلفظونا علينا الفاظ لا تخرج من انسان مسلم وبعد ان عرفوا ان زوجي كلامه صحيحة دهشوا اعضاء الهيئة بعد ذلك اخذوا زوجي لمركز الهيئة وتركوني في السوق والمدهش في تعقيب الهيئة يقولون اني ضميت زوجي وقبلته. وكيف يحق للهيئة انت تتهم زوجي في مثل حركات وتصرفات لا تظهر في الشارع وامام الناس ولكن سوف ارفع قضية لكشف هذا الكلام واذا كانت الهيئة على حق لماذا ترسل التعقيب بعد شهر من الحادثة ام انهم يبحثون عن مخرج لكن حسبي الله ونعم الوكيلاقسم بالله انهم اخذوا زوجي المركز وضربوة واذا كنت الهيئة على حق لماذا اعتذرت الى زوجي وحذرته من التوجه للصحافة حسبي الله عليهم.
...
الإجراء الحالي الذي اتخذه الرئيس الجديد للهيئة، سيفتح الباب من جديد حول الأخطاء الكثيرة التي يرتكبها موظفو جهاز الهيئة، والذي لطالما كان محل انتقادات واسعة، كان آخرها بيان الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية، حيث أنتقد تقريرها الأخير هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال تفتيش الممتلكات الخاصة دون مبرر، والقبض على النساء دون محرم، والإجبار على التوقيع على محاضر دون قراءتها، واستخدام سيارات خاصة لنقل من يوقف إلى أحد مراكز الهيئة.
وقال التقرير أن الحاجة تدعو إلى تحديد سلطات وصلاحيات منسوبي الهيئة بشكل دقيق حرصا على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسمعة وسلامة أعضائها الذين تعرض بعضهم للاعتداء, ومنع ازدياد تذمر الناس من تصرفاتهم وتلافي أخطائهم.
....
وهذا مقال جيد يكشف بعضاً من المستور. لعله يضيف إلي فهمنا القليل..

تكفير الثقافة الجنسية ...
بقلم خالد منتصر ٢٥/ ٤/ ٢٠٠٩ - جريدة المصري اليوم

قامت الدنيا ولم تقعد من رجال الخليج الأشاوس على الباحثة الإماراتية "وداد لوتاه" الموجهة الأسرية في محاكم دبي، لأنها تجرأت وكتبت عن أهمية الثقافة الجنسية، بل وصل بها عدم الحياء فى رأيهم، إلى درجة تأليف كتاب «سرى للغاية» عن تجربة السنوات التسع التى قضتها فى محاولة حل المشاكل الجنسية، التى أدت بالكثيرين إلى طلب الطلاق فى المحكمة، فتم تكفيرها، والتهديد بقتلها، ومحاربة كتابها، والتحرش والتربص بها، لدرجة التلاكيك التى وصلت إلى حد اتهامها الخروج عن الملة، لأن غلاف كتابها قد رسمت عليه علامة الأنثى، دائرة وفوقها صليب، وبالطبع جعلها هذا الصليب مرتدة وآثمة وفاسقة. .
المدهش أن كتاب «سرى للغاية» منطلق من أرضية دينية إسلامية، والسيدة وداد سيدة منتقبة وخريجة كلية الدراسات الإسلامية، وبالرغم من كل هذا تم تكفيرها واستباحة دمائها! ما السبب الخفى والمسكوت عنه الذي حرك ثورة الرجال العرب ضد هذه السيدة؟، لا يمكن بالطبع أن يكون السبب هو غيرتهم على الدين.
..
للأسف السبب الحقيقى هو غيرتهم على ذكوريتهم التى خدشتها هذه السيدة، عندما أعلنت عن حق الزوجة فى الحصول على اللذة الجنسية كاملة، ورعبهم من أن تتحول المرأة من مجرد كائن مفعول به صامت لا مطالب ولا حقوق له إلى كائن كامل الأهلية له نفس المشاعر والحقوق الجنسية، رعبهم من أن ينطلق لسانها وتطلب حقها، وتكشف عورات العلاقات الجنسية المهترئة والمزيفة فى البيوت العربية، التى تقوم على اغتصاب مقنن، والتى فضحتها وداد حين أعلنت أن معظم المتزوجات لم يعرفن ما هو الأورجازم أو هزة الجماع، وأنهن يمثلن اللذة دون أى إحساس حقيقى!
..
زوجة قضت مع زوجها ما يقارب ٣٥ سنة، حتى وصلت ٥٢ سنة، تقول معقول يا وداد أنا متزوجة منذ ٣٥ سنة، ابنى تخرج فى الجامعة مهندس، وابنى الآخر دكتور، وأنا ما حسيت بشىء اسمه لذة جنسية.!!
.
هذا جزء من حديث الباحثة «وداد لوتاه» فى برنامج إضاءات، مجرد قمة جبل الجليد القابع فى محيط الجهل والتخلف والزيف والنفاق، المرأة العربية عليها أن تعيش مسرحية بانتوميم صامتة، التعبير فيها عن الحميمية قلة أدب، الرجل هو المايسترو والغضنفر الفحل، وحامى الحمى، ومحرك الأحداث، والصياد الآمر الناهي الذي لابد ألا يعصى له فرمان جنسي، حتى ولو كانت زوجته على ظهر بعير!، وإلا لعنتها الملائكة صباح مساء، وبالطبع يأخذ الزوج من تراثه الديني ما يرضى غروره الذكورى، ويتجنب ويتحاشى أوامر هذا التراث بحسن المداعبة وعدم قضاء رغبته قبل رغبتها، إلى آخر هذه الثقافة التي ستفتح عين المرأة وتفقدها الخشا والحياء، فتتحول من وعاء حمل إلى كيان إنساني، وهذا مرفوض بالطبع من الرجل العربي الذي يعد أكثر رجال الأرض صرفاً على الفياجرا لإشعال رغبته، وترويجاً للختان والعزل والحجب لإطفاء رغبتها.
الجنس عندنا مونولوج لا ديالوج، وتناسل لا تواصل.

الاثنين، مايو ١١، ٢٠٠٩

الرواسي ( الجبال ) إثبات لكروية الأرض .." إلي روح أخي وصديقي العزيز الدكتور سمير حمزة الأستاذ بكلية العلوم - جامعة القاهرة"

(2)..
أطمع أن يدعو كل من يقرأ هذا المقال بالمغفرة والجنة لروح صديقي وأخي الأستاذ الدكتور سمير حمزة، الأستاذ بكلية العلوم جامعة القاهرة. والذي وافته المنية منذ أيام قلائل، وتركنا في حزن شديد، رغم تسليمنا بقضاء الله.
كان رحمه الله بالنسبة لي وعدا القرابة الأسرية - صديقاً وأخاً عزيزاً وكريماً. وكان في مقام العلم أستاذا متمكناً ينشر علمه الغزير لتلاميذه ويغلفه بحبه وتفهمه لهم. والحق أنه كان محبا لعمل الخير ومحبا لكل الناس في تواضع وأدب جم.

ومع أنه كان عاشقاً كبيراً للصلاة ولقراءة القراَن، فلا أتذكر أنه أستغل ذلك في فرض هالة له، أو أنه ألح علي أحد بأن يكون مثله. بل كان علي الأكثر مشغولاً بين عمله في الجامعة، وبكثير من اللجان أو المؤتمرات التي تشرفت أن يرأسها في العديد من المجالات، ووصله لصلة الرحم بزياراته للأقارب. وكان للصديق عوناً، يقدم له النصيحة بقليل من الكلمات وبكثير من الفهم. وهو بهذا الشكل النبيل والعفيف والجميل كان قدوة لكثير من أحبابه وأصحابه.
كان إنساناً رائعاً، فقد كان يشعر بالسعادة البالغة وهو يبادل الأقارب والأصدقاء والناس الحب والتقدير. وكانت لتلك السعادة مفعول السحر وهي تنتقل للمحيطين به، خاصة عندما يتحدث أو يعلق مبتسماً أو ساخراً أو ضاحكاً، أو جميعهم في نفس الوقت.
ولعل القارئ الكريم - الذي يطالع مقالاتي - مشاركتنا " أصدقاء وأحباب وأسرة الراحل العزيز" الدعاء وطلب المغفرة لروحه الطاهرة ..
حفظكم الله من كل سوء ..
القاهرة. 4/6/2009
...
كنت قد كتبت مقالا بعنوان ويسألونك عن الميد والرواسي .. تعرضت فيه لعملية الإتزان المتقنة للأرض والناتجة عن وجود الجبال كرواسي تؤدي تلك الفائدة. بطبيعة الحال تعاملت مع كوكب الأرض كجسم " كروي " يسبح في الفضاء ويدور حول نفسه بسرعات عالية للغاية. وقد عقب أحد القراء علي ماكتبته معترضاً ومستشهداً بالعديد من الآيات التي تبين أن الأرض لم تخلق علي الشكل المعروف حاليا (شبه الكروي) مما ينفي صلتها بالميد وبالاتزان المطلوب. ولأهمية الاعتراض وللفائدة المرجوة من نقاشه فقد فضلت نشر ردي علي شكل مقال منفصل (رقم 2) يلحق بالمقال الأصلي .. ..
كتب القارئ :
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاّيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد : 3]
وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ [الحجر : 19]
وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [قـ : 7]
ما علاقة مد الأرض بالاتزان وعدم الميد ؟
..
الأستاذ ...
أنت تركز علي أن الأرض " ممدودة أي غير كروية " وهذا يبدو صحيحاً للوهلة الأولي بحكم الآيات التي استشهدت بها، رغم أن هذا المد يصاحبه " إلقاء الرواسي ". وبمعني أكثر تحديداً أنت تريد أن تقول أن الأرض طالما هي ممدودة فهي بغير حاجة لتلك الرواسي. ولم يكن هناك ما يدعو لعمل هذا الاتزان المتقن لها لأننا بالأساس ولطبيعة تأثير هذا الامتداد فلن يكون هناك " ميد " أو غيره وبالضرورة فلن تكون هناك حاجة أصلاً لكتابة المقال. ومع تسليمي بكل ما نقلته وبشكوكك حول الموضوع برمته إلا أنني أري غير ذلك الأمر والموضوع يحتاج لتمعن في القراءة والفهم خاصة أنك ركزت علي الكلمات الواردة بالنصف الأول من الآيات التي أوردتها ولم تحاول الربط بينها وبين ما تلاها من كلمات.
أول ما يتبادر للذهن بعد قراءة تلك الآيات أن الأرض خلقت علي شكل سطح فراغي. ومن هنا يمكن تفهم عملية المد التي تمت. وعلمياً لا يتحكم بأي سطح سوي محورين فقط والمتفق علي تسميتهما بالمحور الأفقي والمحور الرأسي ( س . ص ) أو ( X Y) ودون الحاجة للمحور الثالث الذي يحكم الارتفاع أو ما يسمي بالبعد الثالث (ع) أو ( Z).
وكمثال عملي للسطح وللتدليل فهناك مثلاً سطح شاشة التلفزيون وما يدور فوقه من أحداث جارية في مختلف بقاع الأرض، أو سطح شاشة السينما وما يجري فوقه من توالي الأمكنة والشخصيات والأحداث. وللتبسيط يمكن أن نتحدث عن الورقة كسطح. فعلي سطح الورقة ليس هناك ما يدعو للبعد الثالث مهما رسمت عليها من أشجار وأنهار وجبال وطائرات .. الخ. فسيصبح كل ذلك مجرد مجموعة من النقاط المتصلة والتي يمكن أن نحدد موقعها علي سطح الورقة ببعدها عن المحور س وأيضا بدلالة بعدها عن البعد الآخر ص. وهذا يعني ضمن ما يعنيه من أمور أخري استحالة التواجد الفيزيائئ للمخلوقات بمختلف أنواعها فوق الأجسام الفراغية التي تأخذ شكل الأسطح.
إلا أن المفارقة أن جميع الآيات التي تتحدث عن خلق الأرض "بالمد" تتحدث أيضا عن مخلوقات أخري فعلية خلقت فوق الأرض. وتلك المخلوقات الحقيقية والموجودة فعلاً فوق سطح الأرض منذ خلقها محكومة بكل المحاور المتفق عليها علمياً (الأربعة) التي تحدد مكانها وشكلها في الفراغ الكوني. واقع الأرض يقول ذلك منذ بداية خلقها، فهي ليست بالسطح، ولا يمكن أبداً تحديد موقع أي " نقطة " فوقها دون تحديد موقعها من المحاور الثلاثة بما فيهم المحور ع أو Z فضلاً عن البعد الرابع وأعني به بعد الزمن. وسأزيد من تلك النقطة بعد قليل.
هل كلامي يزيد من التناقض بين ماهو قائم بالفعل وما جاء بالآيات القرآنية.؟! لا أعتقد . فكل ما يحتاجه الأمر هو مقدرة قليلة علي تخيل الأرض وكما نعرفها - ليس كسطح - بل كجسم كروي يسبح في الفراغ خلقت بنوع من التمديد ولا يخفي علي فطنة القارئ أن تمديد الجسم الكروي سيعقبه في النهاية تقابل من جميع الجهات وسيؤدي ذلك لجعلها بالشكل الذي نعرفه وأقرب لشكل الكرة.
ومما يؤكد – هذا الفهم – هو تأكيد تلك الآيات علي وجود الرواسي والأنهار وكل الثمرات فوق الأرض بعد خلقها، وأيضاً جعله فيها زوجين اثنين. ثم، جعل الليل يغشي النهار. وفي آية أخري بإلقاء الرواسي فوقها وإنبات كل شئ موزون وبهيج. لاحظ أن الإنبات وما يحمل من معني النمو وصعود النبتة لأعلا. فضلاً عن الحاجة للزمن لديمومة كل تلك المخلوقات. ومن المستحيل أن يتم كل ذلك فوق سطح فراغي ممتد. أي أن الإنبات وكذا (الزوجين) وأيضاً (الليل والنهار) لهم علاقة وثيقة بالمحور ع أو Z ( الرأسي ) وأيضاً لهم علاقة وثيقة بمحور الزمن. مما يعطي دلالة قاطعة أن الله لم يكن يرسم نقاطاً متصلة فوق سطح فراغي، ليأخذ هذا الرسم (أشكال) ما قصده من مخلوقات، بقدر ما كان يخلق أشياء ملموسة وحية وقابلة للتعامل مع كافة المحاور (س. ص.ع) إضافة لمحور الزمن.
الأمر الأخر الهام أن التعامل مع السطح الفراغي يكون من جهة واحدة للسطح. والمؤكد أن عملية الخلق تمت فوق الجهات الأربعة، وهذا ينفي عملياً أن تكون كل تلك المخلوقات قد تم خلقها فوق سطح فراغي، والأسلم والأدق أن يكون الخلق لكل تلك المخلوقات قد تم فوق سطح كروي. وكتدليل بسيط: يمكنك ببساطة متابعة المشاهدة للسلاسل الجبلية والممتدة فوق سطح الأرض ودون توقف وغيرها مثل الحقول والأنهار والبحار وحتى مسافات طويلة وبعيدة. مما ينفي خلقهم فوق سطح أو جسم علي شكل مكعب مثلاً أو أي شكل فراغي آخر. ولو كان الأمر كذاك لتوقف تواجد كل تلك المخلوقات عند حدود حافة الشكل الفراغي سواء كان سطحاً أو مكعباً أو أي شكل آخر. والأدق - ومن خلال تلك المشاهدة - أن يكون تواجد كل تلك المخلوقات فوق سطح كروي. لأنه الشكل الفراغي الذي يسمح باستمرارية كل تلك المخلوقات وفي أي اتجاه. وبالإضافة لكل المخلوقات التي يمكن أن نحصيها من الآيات الواردة، لاحظ أيضاً التأكيد علي خلق الليل والنهار مما لا يدع مجالاً للشك بأن الأرض خلقت بالشكل الذي نعرفه الآن، أي بشكل كروي.
وإذا كان بالإمكان أن ننسب تواجد جميع تلك المخلوقات بدلالة المحاور الأربعة ، فمن باب أولي أن ننسب "الأرض بأكملها التي تتواجد فوقها تلك المخلوقات" إلي نفس المحاور الأربعة، وهذا لا يمكن أن يحدث لو كانت الأرض سطحاً. وزيادة في التفصيل يمكن القول بالاستحالة نظريا وعملياً أن تتواجد الرواسي أو الجبال فوق جسم علي شكل سطح ممتد أو مهما امتد، فضلاً عن تواجد كل تلك المخلوقات الواردة بالآيات، مما يؤكد أن الأرض خلقت علي شكل جسم كروي وكما حاولت أن أدلل علي ذلك.
أميل للتفسير الذي يقول أن عقلية المتلقي وقت نزول القراَن وفهمه واستعداده لتقبل كروية الأرض هو الذي جعل تلك الآيات تتنزل بهذا الشكل المحكم والمعجز. لا تنس أن هناك وحتى الآن ببعض التجمعات السكانية من يرفض قبول فكرة كروية الأرض فضلاً عن مناقشتها رغم إيمانهم الديني العميق.
واعتقد أنه تفسير مقبول، خاصة وأن القراّن تحدث عن الخلق بالتكوير لليل والنهار مما يعطي إثباتا رائعاً وجميلاً لكروية الأرض. ألا تتفق معي أن الله عز وجل لم يشأ أن يضعنا في ورطة الفهم الخطأ والمتضارب بين المعني الكلي في تلك الآيات - التي أوردتها - وغيرها من الآيات التي تتحدث بشكل مباشر عن الخلق بالتكوير.؟!

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [الزمر : 5]
..
أطيب تحياتي ...
.
عادل محمود
القاهرة. 7/4/2009

الأحد، مايو ١٠، ٢٠٠٩

ويسألونك عن الميد والرواسي .. " إلي روح أخي وصديقي العزيز الدكتور سمير حمزة الأستاذ بكلية العلوم - جامعة القاهرة"

.
تقول الآية الكريمة :
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ / وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. [النحل : 15]
...
تمهيد ..
1 - المعني اللغوي لبعض الكلمات الواردة بالآية ..
والرَواسي من الجبال: الثوابت الرواسخ. (الصحاح)
وفي ( لسان العرب ):
والجبال الرَّوَاسِي والرَّاسِياتُ: هي الثَّوابِتُ
ورَسَتِ السَّفينةُ تَرْسُو رُسُوّاً: بَلَغَ أَسفلُها القَعْرَ وانتهى إلى قرارِ الماءِ فَثَبَتَت وبقيت لا تَسيَرْ.
ومادَ الشيءُ يَمِيدُ مَيْداً: تحرّك ومال.
ومادَ يَمِيدُ إِذا تَثَنَّى وتَبَخْتَرَ.
ومادت الأَغْصانُ: تمايلت.
.2 – ثوابت علمية .
للأرض ثلاث حركات، فهي تدور حول محورها بشكل مغزلي بسرعةٍ تصل إلى 465م/ث عندَ خطِّ الاستواء أو ما يعادل 1674 كم/ساعة. كذلك تتحرك الأرض فى مدار بيضاويٍّ مُحَدَّدٍ لها حول الشَّمس بسرعةٍ تبلغ 29.77كم/ث أو ما يعادل 107172 كم/ساعة. وتدور الأرض مع الشَّمس وبقيَّة المجموعة الشَّمسيَّة حولَ مركز مجرَّتنا (سكة التبَّانة أو درب التبَّانة أو الطريق اللبنيّ) بسرعةٍ تتراوح بين 206 كم/ثانية أو ما يعادل 741.600كم/ساعة في مدارٍ لولبيٍّ لتتمَّ دورتها تلك في مدةٍ تُقَدَّر بحواليْ 250 مليون سنة.
وما يعنينا في الحديث من تلك الحركات هو الحركة الدورانية للأرض والتي سنركز الحديث عنها وعن تأثيرها في اتزان الأرض.
تتفق جميع الآيات القرآنية التي تتحدث عن الجبال بأن لها وظيفة محددة للأرض وهي منع الميد. وسواء تحدثت الآيات عن الجبال كأوتاد أو رواسي للأرض فتظل وظيفتها هي استقرار الأرض بمنع ميدها. أي أن الجبال هي مثبتات لغرض استقرار الأرض ومن عليها. كيف يكون ذلك؟
سأحاول تقريب المسألة للأذهان ببعض التطبيقات العملية الملموسة في حياتنا اليومية . دعونا نتفق أولاً أن أي جسم يتحرك بسرعة دائرية يكون له مركز ثقل في موضع ما من الجسم . ومركز الثقل يعتمد علي تجانس المادة المصنوع منها هذا الجسم وليس بالضرورة أن يكون بالمركز. ونتيجة للحركة الدائرية لهذا الجسم فلابد أن يكون له أيضا مركز دوران يدور حوله الجسم .للحالة المثالية يجب أن يتطابق مركز الثقل بمركز الدوران لكن هذا لا يحدث مما يخلق نوعا من عدم انتظام الحركة الدورانية وتوليد قوي واهتزازات غير مرغوب بهما.
أمثلة كثيرة تستطيع أن تدلل بها علي ذلك. مثل ضبط اتزان ( إطارات ) أو دواليب السيارة، بإضافة أثقال ( محسوب وزنها ) توضع في أماكن معينة في محيط الدولاب، لضمان دوران الإطارات أو الدواليب بشكل هادئ ومتزن .وأيضاً لو تفحصت ريشة من ريش المروحة السقفية، أو حتى المراوح الاستاند لوجدت أيضا أثقالا صغيرة موضوعة لنفس الغرض.
هذا يدعونا للقول أنه لا بد من عملية اتزان لأي جسم يدور، وذلك بوضع أوزان محسوبة بدقة لتصحح من الإنحراف الناشئ للمركزين ( الثقل والدوران ). وقد تبدو المشكلة أسهل للأجسام الكروية أو المنتظمة. لكن ماذا عن الأجسام غير الكروية أو المفلطحة .؟! مثل الأرض التي تدور حول نفسها بسرعات عالية للغاية وفي نفس الوقت تدور حول الشمس ..
هل وصلت الفكرة ؟!!!
سأعطي مثالا عمليا آخر نمر به جميعنا. ألم تركب مرة سيارة وشعرت ( برفة كما نسميها بمصر وتخبيط ) في أحد الإطارات. ما السبب ؟ السبب هو عدم اتزان ذلك الإطار لفقدان الأوزان اللازمة لإتزانها، أو لأن تلك الأوزان غير كافية، أو لأنها غير محسوبة بدقة. المهم أننا نشعر جميعا بالإهتزازات في تلك الحالة. ولا أقصد بالإطار في كل الأمثلة التي أتحدث عنها الإطار الخارجي فقط. بل المقصود هو الإطار والجنط الحديدي الذي يلتف حوله الإطار. وما يمنعنا من الشعور بتلك (الرفه أو التخبيط أو الاضطراب الناتج عن تلك الاهتزازات غير المرغوب فيها) هو الإتزان المتقن للعجلات نتيجة أوزان الإتزان المحسوبة بدقة والمثبتة بالمحيط الخارجي بها.
والاضطراب الحادث نتيجة لعدم الإتزان هو الميد المقصود الذي يمكن أن بحدث للأرض، والذي يستلزم لتصحيحيه نوع من المثبتات أو الرواسي (الجبال). وتلك الرواسي تعادل بالتأثير وبالفائدة أثقال الاتزان التي أعطيتها للأمثلة البسيطة السابقة.
ويمكن تشبيه الأرض بتلك السيارة، ما الذي سيحدث لو انعدم اتزانها وهي تدور حول نفسها؟! (ستميد بنا) وسنشعر بذلك بكل تأكيد. السرعات المنتظمة للأرض سواء حول نفسها أو حول الشمس هو السبب الرئيسي لعدم الشعور بالحركة. وهذا أمر مختلف عما نناقشه. الأساس العلمي لإتزان الأجسام التي تتحرك بسرعات دائرية معروف. وقد حاولت أن أقربه وأبسطه. حاول أن تكيف الكلمات الواردة بالآية مع هذا الأساس العلمي. لن تجد هناك تعارضا.
وقد يكون هناك علاقة بالبراكين والزلازل بالوظيفة الأساسية للجبال وفق ما أفهمه وما تحدثت عنه بأمثلة عملية. مع أنها تمثل ظواهر طبيعية لها تفسيرات أخري عديدة. وأقرب النظريات لفهمها هي التي تتحدث عن انزلاق الكتل أو الصفائح المشكلة لبنيان الكرة الأرضية، وتحدث تلك الإنزلاقات لأسباب كثيرة. قد يكون واحداً منها ميد الأرض (اضطراب الحركة ) بسبب إضافة كتل للجبال أو حذف البعض منها. مما يؤثر حتماً علي الاتزان النهائي للأرض. ولتبسيط المعني أقول أن الأرض تعاود ضبط اتزانها - ثانية - بنوع من الحركة الداخلية والتي تظهر علي شكل زلازل.
دعني أبسط الأمور بشكل أبسط من المرات السابقة : يجب أن تفرق بين الشعور بالميد نتيجة لعدم الإتزان (الرفه في حالة المركبة ذات الدولاب غير المتزن ) مع ثبات السرعة الخطية. هنا الميد أو الرفه أو الإهتزازات يتولد بسبب عدم الاتزان وليس بسبب السرعات الخطية المنتظمة والناتجة عن سرعات دوران منتظمة أيضا .السرعات المنتظمة لا تجعلك تشعر بتأثير الحركة. والمثال الأقرب للفهم لو أنك بعربة قطار مغلقه يتحرك بسرعة منتظمة فلن تشعر انك تحركت مترا واحداً. هذا موضوع لا علاقة له بما يمكن أن يحدث لو أن عجلات القطار بدأت تدور بغير اتزان لتولد لنا ( رفه - اهتزاز – اضطراب - ميد ) مع ثبات السرعة الخطية المنتظمة التي تولدها عملية الدوران بسرعات منتظمة، أو مع انتظام سرعة القطار الخطية .
سأحاول – ثالثة - أن أجعلك تتعرف علي الميد: اذهب إلي أقرب ورشة لضبط اتزان دواليب السيارات. وشاهد أحد الدواليب قبل ضبطها وهي مثبتة فوق جهاز ضبط الإتزان وتدور بسرعة منتظمة. كيف ستري الدولاب؟. ستراه يدور بغير انتظام مسبباً نوعا من الضوضاء والاهتزازات وكأنه يريد أن يقفز من مكانه. ثم شاهده مرة أخري وهو يدور بنفس السرعة المنتظمة التي يولدها الجهاز بعد إضافة أثقال الموازنة. كيف ستراه هذه المرة ؟ ستراه يدور بنعومة وانتظام دون أن ينشأ أي اضطراب أو ضوضاء نتيجة لذلك الدوران . أرجو أن تكون الفكرة قد وصلت هذه المرة .
وربما يلزم الأمر قليل من التوضيح. دوران أي جسم وبأي سرعة دوران يؤدي إلي اهتزازات غير مرغوب فيها أثناء الدوران. بمعني أن تلك الاهتزازات تنتج عن الحركة الدورانية للجسم. وأعطيت تفسيرا علميا سليما لذلك وهو عدم تطابق مركزي الثقل والدوران ينتج عنه تلك الظاهرة. كما أعطيت أمثلة عملية ملموسة من واقع الحياة مثل إطارات السيارة - ريش المروحة ....... الخ. توضح علاقة الإهتزازت بالحركة الدورانية.
وكقاعدة عامة فإن أي جسم يدور يلزم اتزانه. وقلت أن الموضوع يبدو سهلا للأشكال المنتظمة (الدائرية والكروية ..... الخ ) فما بالك ونحن نتحدث عن إتزان محكم لشكل كروي مفلطح وأعني الأرض .
ونستطيع علميا أن نتعامل مع الكرة الأرضية كما نتعامل مع أي جسم مادي محدود ونطبق عليها ما نعلمه من قوانين رياضية وفيزيائية بما في ذلك قوانين الحركة. ويمكن – نظرياً وباستخدام بعض القوانين الرياضية البسيطة أن نعزل جزءً من كتلة الجبال ثم نري تأثير ذلك علي اتزان الأرض. ونوالي عملية العزل أو الاستبعاد النظري لكتل أخري من الجبال ونري. وقد يكون علماء الفلك والفيزياء قد تعرضوا لتلك الدراسة .
وبالقياس وكنتيجة لفهمي المتواضع لأساسيات قوانين الحركة للأجسام، أعلم يقينا أن استبعاد كتل من الجبال يعني تحرك مركز ثقل الأرض لنقطة أخري وكلما استبعدت كتلة أخري كلما تحرك مركز الثقل لمكان آخر، مما يعني المزيد من الاهتزازات والاضطراب للأرض بأكملها وسنشعر بالتأكيد بكل ذلك. وكل ذلك تحدثت عنه الآية الكريمة وأعطت مرادفاً من كلمة واحدة يحمل نفس المعني والشعور وأعني كلمة الميد .
وكمثال تطبيقي لذلك أرجوك أن تعود لورشة ضبط إطارات السيارات واطلب من الفني هناك أن يضع دولاباً متزنا فوق الجهاز ثم يجعله يدور. أطلب منه أن يبدأ بنزع بعض أوزان الإتزان أو القطع الرصاصية الصغيرة المثبتة علي محيط الدولاب، وراقب ما سيحدث. سيبدأ الاهتزاز في الظهور وكلما استبعدت المزيد كلما زادت تلك الاهتزازات. الأرض كجسم يدور ورغم ضخامة كتلتها تنطبق عليها نفس الملحوظة .
ما عندي قلته وهو ما ينعكس علي اقتناعي بصحة ما جاء بالآية علميا. غير أن الواجب يقتضي أن أقول قد أكون مخطئا. وقد تكون هناك فوائد أخري مضافة للجبال أو الرواسي. والمؤكد أن هناك كثير من الفوائد الأخرى لها. غير أن ما يشغلني حقيقة بالتفكير هو دورها في حفظ اتزان دوران الأرض. ويتبقى أن أشير إلي أن حركة الجبال وعلاقة تلك الحركة بالإنزلاقات الحادثة للصفائح المشكلة لبنية الأرض تستدعي التفكير مرة أخري في علاقة كل ذلك بحفظ الإتزان. وبمعني أكثر تحديداً هل ما يتم من حركات للجبال تصاحب حركة الصفائح هو نوع من إعادة التصحيح لمركز ثقل الأرض ومركز الدوران - كلما تغير هذان المركزان لسبب أو لآخر - بحيث تعاود الأرض اتزانها ثانية.
.
وعلي كل فهذا مجرد اجتهاد شخصي مني. والحقيقة أنني أدين لظهور هذا المقال للمتحاورين معي بهذا الموضوع، ولمعني الكلمات الواردة بالآية التي نناقشها (الميد والرواسي) وبطبيعة الحال المعني الكلي للآية. وما حدث كان عملية ربط بين معاني الكلمات وقوانين الحركة للأجسام. ومع ذلك فسيظل الأمل أن يكون فهمي سليما ومسعاي في إثباته صحيحا لتسليمي بأنه من الممكن أن يكون هناك من هو أرقي في الفهم وفي المسعى.

عادل محمود
القاهرة. 24/9/2007
...