الأحد، أغسطس ١٠، ٢٠٠٨

5 – حكايات مسافر .. " الطائرة العجوز " ...

كانت الطائرة العراقية رابضة علي البعد ، بدت لنا من خلف اللوح الزجاجي السميك الذي يفصل بيننا وبين ساحة الطائرات كبيرة للغاية وشكلها يوحي بالثقة. سألت ممدوح إن كان يعلم عنها شيئاً.
- كل اللي عارفه إنها موديل قديم " ترايدنت " إنجليزية الصنع .
- يعني هتوصلنا وللا هاتعطل في السكه .
- ايه اللي هيعطلها . خلاص إتصلحت .
- إنت مش بتقول موديل قديم ، ممكن الكربراتير يعملها وهيه فوق .
- كاربارتير إيه ، النوع ده مالوش كاربارتير .
- أنا باضحك ياممدوح . كنت أقصد موضوع تاني .
كانت الطائرة من الداخل نظيفة للغاية ، وتناسق الألوان والإضاءة يوحي بالهدوء والسلام . قلت في سري : يبدو أن معلوماتك ياممدوح ينقصها الدقة . وقبل أن أفتح فمي معبراً عن هذا الرأي بادرني بصوت واضح ومسموع .
- احترس من كلامك . أنت الآن فوق أرض عراقية.

كانت هذه المرة الأولي التي أركب فيها طائرة ، لذا فقد اعتراني العديد من الهواجس والخوف نتيجة لعدم الثقة في أشياء كثيرة متعلقة بصناعة الطائرات نفسها . فمن يضمن مثلاً - ونحن نحلق في السماء - أن كل شئ سيكون علي مايرام . من المؤكد أن أقل خطأ سيؤدي إلي كارثة محققة ، وإذا حدث ذلك فما العمل؟! وحين راحت أحد المضيفات في التنبيه علي الركاب بما يتوجب عمله عند المخاطر ، وكيفية استخدام أقنعة الأكسجين وأبواب الطوارئ ، والإشارة إلي أماكن سترات النجاة ، ازدادت هواجسي ومخاوفي ، وقلت لنفسي : إنهم يعلمون بأن هناك خطر قادم وإلا فما معني كلامها .
- الموضوع من أوله مش حلو .
- فيه إيه ؟
- انت مش سامع المضيفه بتقول إيه .
- دي تقصد لو حصل حاجه .
- وده ممكن يحصل ، انت مش قلت الطياره ..
- أنا ماقلتش أي حاجه .
- انت مالك مرعوب كده ليه.

كان ممدوح يحرك شفتيه ويصدر أصواتاً غريبة ، فهمت منها بالكاد أننا فوق أرض عراقية والحكمة تقتضي عدم الحديث عن أي شيء . عدلت وضع مسند مقعدي للوضع العمودي كما نصحتنا المضيفة ورحت أشاهد أسفلت ممر الطائرة وهو يجري للخلف بسرعة كبيرة ومعه بنايات المطار بينما راحت الطائرة في الارتفاع ببطء ومعها كانت البيوت والشوارع وكل شئ بالقاهرة يصغر ويصغر حتى لم يعد من شئ يمكن رؤيته سوي السحاب . واعتراني بعض الحزن والقلق ورحت في الحديث مع نفسي وأنا أتذكر الكثير من أحبابي وأصدقائي وسؤال يلح علي متي أراهم ثانية.؟!

ومع أن وجبة الطعام التي قدمت إلينا كانت أكثر من رائعة ، فقد كانت ساخنة وكافية ، وصاحبها تقديم القهوة والشاي لأكثر من مرة إلا أن تأثير فرق الضغط داخل الطائرة كان قاسياً علي أذاننا مما سبب لنا طنيناً مزعجاً . رحت أتطلع لوجوه العديد من الركاب العراقيين وقد غطي وجوههم اللون الأصفر بينما انشغل البعض الآخر في مص الليمون .
- اَه ياراسي ، خلاص هاموت .
كان ممدوح يصرخ من الألم ممسكاً رأسه بكلتا يديه ، وراح يتأوه بصوت عال ولم أعرف مالذي ينبغي عمله فلم تعد نصائحي له تجدي نفعاً . نصحته بربط رأسه بمنديل وأن يحاول النوم . انشغل بالبحث عن منديل بجيوبه ثم أخذ يربط رأسه به بإحكام. تغير شكله للنقيض وتذكرت وجه أحد باعة البطاطا كان مشهورا بصوته القبيح ، وبربط رأسه بمنديل قذر وكبير. وقبل أن اسأل ممدوح إن كان أحد أقاربه يبيع البطاطا بشوارع القاهرة ، نظر إلي وهو يصرخ متألما .
- هاتلي المضيفة.

كنت في الحقيقة أعاني أنا الآخر وأحسست بأن أذناي قاربتا علي الانفجار . استدعيت المضيفة التي جاءت تترنح هي الأخرى ووقفت تستند بظهر الكرسي المقابل لنا وراحت تتحدث وهي تتأرجح يميناً وشمالاً دون أن أفهم شيئاً ثم سرعان ماراحت تركض تجاه مقدمة الطائرة وهي تغطي فمها بيدها .
- هيه راحت فين . هيه مش شايفاني عامل إزاي .
- ياممدوح إنت مش شايفها هي التانيه عامله إزاي. دي خلاص هاتموت.

حضر بعد قليل عدد من طاقم الطائرة وبيدهم أكواب لقهوة والشاي ومعهم وبعض الأقراص، التفوا حولنا مما جعل بعض الركاب العراقيين يتركون أماكنهم ويقفون معهم لمشاهدة الركاب المصريين المرضي. ومع أن الجميع كان يبدو عليهم التعب والإرهاق، إلا أن كل منهم حرص علي أن يكون بيده نصف ليمونه يمتصها بين الحين والآخر . إلا أن حالة ممدوح وأنا معه كانتا من نوع آخر.
- أول مرة تركب طيارة .
- أيوه .
- هوه ده السبب، أبو كريم هات ليمونه. الولد المصريين هيموتوا خلاص.

جاء أبو كريم ومعه بعض الليمون وأعطي كل منا ليمونة كبيرة وراح يشرف بنفسه علينا ونحن نقضمها بأسناننا ونمتصها غير أنني كنت من النوع الذي يصيبني الليمون بغثيان أكثر عند امتصاصه ؟ بصوت واهن شرحت ذلك لأبو كريم الذي لم يقتنع وراح يتحدث مع أصدقائه الآخرين .
- والله أعجوبة. دا حتى الليمون من عندكم ، ليمون مصري.
تطوع آخر بالمساعدة، نظر إلينا بتودد وراح يصف لنا مالذي يمكننا عمله.
- باوع عيني سد حلجك وامسك خشمك وانفخ حيل .
- نعم ؟!! . انت بتكلمني أنا .
- أبو طارق الولد مش فاهمين . يابا علي كيفك شويه .
راح يحاول بكلمات مصرية إفهامنا مالذي قاله أبو طارق .
- بص ياخويا سد بقك وامسك خشمك يعني سد منخارك يعني سد مناخيرك وانفخ حيل يعني أنفخ جامد . ودانك هاتسلك علي طول.

ومن الغريب أنها كانت وصفة رائعة أزاحت بعض الألم عن أذاننا ورحت أنا وممدوح نفعل ذلك مرات عديدة بينما كان العراقيون يراقبوننا وقد اكتست وجوههم بعلامات الجدية بينما تطوع البعض منهم بتدريبنا وذلك بتأدية نفس الوصفة وهم ينظرون إلينا مشجعين . وراحت ابتساماتهم تتصاعد إلي ضحكات عالية كلما أحسوا أننا نتعافى .
كانت تلك بداية طيبة مع العراقيين وخلافاً لكل ما سمعته عنهم ، فقد وجدتهم محبون لتقديم المساعدة والتعارف وكسب الود . وهم في ذلك قريبون للغاية من طباعنا. كانوا يتحدثون عن مصر والمصريين بمتعة كبيرة، وراح أبو طارق يصف لنا المنطقة التي كان يعيش بها ويسرد أسماء شوارع القاهرة بحنين وحب.
- وين عايش بالقاهره .
- إمبابه .
- لابد وأنك تعرف السيد حسين ...
- مين هوه ده .
- ده موظف بالفندق وعايش بإمبابه وعزمني عنده .
- بس إمبابه بها أكثر من مليون .
- يعني ماتعرفش السيد حسين ...
- المهم هنوصل إمتي .
- لولا السوريين كنا وصلنا من بدري .
- وإيه علاقة السوريين بوصولنا .
- ممنوع علي الطيارات العراقية الطيران فوق سوريا .
- السبب .
- هو ممنوع وخلاص . إيش مدريني .

كنت مندهشاً فالذي أعلمه أن الحزب الحاكم بسوريا - حزب البعث - هو نفسه الحزب الحاكم بالعراق والحزبان يتبعان نفس الفكر . وحتى الآن لا أدري سبباً للعداء التقليدي بينهما رغم المظلة الواحدة لفكر البعث .
ضاع معظم الوقت المتبقي في الحديث والتعارف وكنا نقترب من بغداد وراحت المضيفة تعلن قرب وصولنا فأخذت أنظر من النافذة متمتعاً بشكل الأضواء الكثيرة .
- برضه بغداد جميله .
- وين يابا بغداد وإحنا وين . لسه بدري.

راحت الطائرة بالفعل تعلو وتنخفض وتعلو ثانية ، ومعها راح الألم يهاجمنا بقسوة أشد ، وركزت كل جهدي علي الاستماع لصوت المضيفة المتعب وهي تصرح بوصولنا لمطار بغداد الدولي ، وتطلب منا ربط أحزمة المقعد والجلوس في وضع عمودي وأن درجة الحرارة ببغداد تزيد عن الأربعين .
كنت أشرح كل ذلك بصوت بائس لممدوح الذي تدلي رأسه وجحظت عيناه ، وكنت أشك أنه سمع كلمة واحدة مما قلت. غير أن وجوه العراقيين ارتسمت عليها علامات الفرحة وراحت الابتسامات ترتسم علي الوجوه ومع قرب الطائرة من الأرض تعالت الأصوات والضحكات، بينما راح المضيفين يصرخون في رجاء أن يظل الجميع بأماكنهم لحين توقف الطائرة.

شئ رائع وجميل تلك الفرحة التي يشعر بها الإنسان حين يقترب من وطنه ، فهمت بعد ذلك لماذا يأخذ المصريين بالتصفيق حين تلامس عجلات الطائرة أرض المهبط ، بل أن منهم من يركع مقبلاً تراب الوطن . وقبل أن تقف الطائرة كانت أصوات فك الأحزمة يتصاعد وهب الجميع وقوفاً لترتيب حقائبهم والاستعداد للنزول .
- حمدالله علي السلامة .
- خلاص وصلنا . ده آخر كلام .
- هلا بيكم في بغداد .

بناء علي نصيحة ممدوح، ظللنا بالطائرة كي يستجمع قواه الخائرة ، وما أن خرجت من باب الطائرة حتى وجدت نفسي أستدير عائداً إليها، كان الجو بالخارج أشبه بفرن كبير ، فالحرارة عالية للغاية والهواء لافح شديد السخونة. أمسكني المضيف الواقف بباب الطائرة من ذراعي بقوة وتحدث معي ضاحكاً:
- لأعتقد أنك ستتحمل رحلة أخري معنا.أهلا بك في بغداد.
.
القاهره : شتاء 1994

الجمعة، أغسطس ٠٨، ٢٠٠٨

4 - حكايات مسافر .. " مقابلات الترانزيت"

ودعت أفراد أسرتي . كان الموقف مؤثراً وحزيناً . رجوتهم أن يغادروا المطار . أصر والدي علي البقاء ، وطلب مني الدخول للترانزيت والاسترخاء . تلكأت في الذهاب . منذ تلك اللحظة ، ولحظات الوداع تصيبني بنوع من القلق والإكتئاب ، وأظل مكتئباً ومتوتراً حتى تبدأ الطائرة في الإقلاع . وقتها فقط يزول عني التوتر وأعود إلي طبيعتي . وبسبب قسوة تلك اللحظة بالذات - الوداع الأول - وجدت نفسي فيما بعد لا أخطر أحداً بموعد وصولي ولا أرحب بأي مبادرة لتوديعي . وأصبحت ضمن طقوسي والتي اعتاد عليها الجميع فيما بعد أن أذهب للسفر بمفردي وأن أعود دون أن أجد من ينتظرني . وقد أكون محقاً في ذلك ، فلحظات القلق والتوتر حين تصيبني أحس معها بالضعف والعجز عن عمل أي شيئ وعدم القدرة علي الفهم لأي أمر يدور حولي .وقد يكون لدي مبرر نفسي لذلك ، فلم يقدر لي أن أري والدي ثانية بعد تلك اللحظة.

في قاعة الترانزيت تعرفت علي المهندس ممدوح ، وكانت فرحتي بمعرفته شديدة ، فقد كان ممدوح هو الآخر ذاهباً إلي بغداد للعمل بالتدريس ، حاولت الاقتراب منه والتودد إليه في محاولة مني للخروج من حالة القلق التي انتابتني .
- معرفة خير إن شاء الله . إن لم يكن لديك مانع فبالإمكان أن نرتب سوياً للعمل بنفس المكان .
- انت بتقول إيه .
وبدا أن ممدوح متحفظاَ للغاية فهو لا يود أن يوافقني ولو من باب المجاملة . كما أن صوته كان منخفضاً للغاية مما جعلني أقترب منه بأذني مرات عديدة في محولات يائسة للتعرف علي مايقول ، رحت أتابع حركات شفتاه محاولاً الفهم ، غير أنه ولحظي التعس وجدته يحرك شفتيه كيفما شاء دون أدني علاقة بما يصدره من أصوات . ولكل ذلك فقد عاني كثيراً - بعد ذلك - في العمل كمدرس ، رغم أنه بذل الكثير من الجهد .
- أنت محصن للغاية يا ممدوح .
- بتقول إيه .
- وكمان سمعك تقيل .
واكتشفت بعد قليل أنه يسمع جيداً ، إلا أنه يعطي لنفسه الوقت الكافي للتفكير فيما تقول وهو يسمع ، وخير وسيلة لتحقيق ذلك أن يظل يردد مع كل جملة أنطقها :
- إنت بتقول إيه .
- مفيش . نكمل كلامنا بعدين .
ظللنا بالترانزيت لفترة تزيد عن الأربع ساعات ، ولم يكن هناك مفر من الجلوس صامتاً ، ورحت أراقب غيري من المسافرين ، كان معظمهم من العراقيين الذين قدموا للقاهرة لقضاء أجازاتهم وشراء احتياجاتهم ، ويبدوا أن فريق كبير منهم راح يعيد توزيع المشتريات فيما بينهم لتخفيف أعباء الجمارك ببغداد .
- نفس تصرفاتنا .
- يعني إيه .
- أنا ها حاول أطلع بره .
- علي فين .
- أبويا وأمي بره . اقعد معاهم شويه واَجي .
- لا هاتعرف تطلع وإن طلعت مش هاتعرف تدخل .
- هاحاول .
خرجت لمنطقة الجوازات ، وجدتني أسير تجاه ضابط ذو رتبة كبيرة ، قلت له :
- الطياره العراقيه متأخره ، وبلغونا إنه هتطير بعد تلات ساعات .
- طلباتك .
- القعده جوه الوقت ده كله متعبه .
- معاك حق ، في الحالات ديه لازم يكون فيه ترتيبات تانيه للمسافرين من شركة الطيران .
- ممكن أخرج أقعد مع الأسره بره .
- مفيش مانع ، بس سيب جوازك هنا ، وخلي ودنك مع الميكرفون .
وبهذا الحل العملي والسهل ، قدر لهذا الضابط أن يحطم - ولو لتلك اللحظة فقط - قيود البيرقراطيه الرهيبة دون أن يستخدم لفظاً واحداً من ألفاظها مثل لابد ، ختم جديد ، إلغاء إجراءات المغادرة ، وغير ممكن ، ولازم .وتعالي بكره .!!
ولأنني كنت جاهلاً بدهاليز وطرقات المطار ، فقد وجدت نفسي أصعد العديد من السلالم ، وأهبط غيرها ، واكتشفت أخيراً أنني تائه داخل المطار .
- من فضلك استراحة صالة السفر فين .
- إنت في الاستراحه ، عاوز مين .
- أنا بادور علي جماعه كانوا معايا .
- يمكن روحوا

كان هذا الإحتمال أقرب للتصديق . وقد علمت فيما بعد أنه لم يكن صحيحاً ، فقد ظلت أسرتي باقية مدة طويلة وحتى الموعد المحدد لإقلاع الطائرة . علي كل حال رحت أتمتع بحالة التيه ، اشتريت المزيد من الجرائد ، وشربت كوبين من الشاي ورحت أنظر لوجوه المسافرين وتصرفاتهم . ووجدت أنني لست الوحيد الذي أصابه التوتر والقلق. يبدو أن صلابتنا نحن المصريين غير كافية لمواجهة تلك اللحظات.

عدت لمنطقة الجوازات دون مشاكل ، فقد اختزنت ذاكرتي وبشكل جيد طريق العودة ، أخذت جواز سفري ، ودخلت قاعة الترانزيت. كان ممدوح واقفاً قلقاً ، ويبدو أن التعب قد أصاب معظم المسافرين ، فقد راح معظمهم في النوم ، وخيم علي القاعة الصمت .
- يا أخي ، إنت كنت فين . أنا كنت قلقان عليك .
- فيه أخبار عن الطياره .
- أبداً .
- يعني الجماعه ناموا .
- لازم يناموا بعد الزيطه اللي عملوها ، اختلفوا مع بعض كتير ، لكن في النهايه اتفقوا .
لم يكن هناك من مفر غير أن نقضي الساعات المتبقية داخل قاعة الترانزيت ، نحملق في وجوه المسافرين العراقيين ، وأستمع في عناء لحديث ممدوح الذي أظهر سعادة كبيرة بعودتي، وبدا واضحاً أن تكلفه وتحفظه كان مصطنعاً وأنه هو الآخر وجد في نوعاً من الأمان له . لعله وصل لنتيجة - أثناء غيابي عنه - بأن وجودي معه أفضل له من أن يكون بمفرده .
وأخيراً ، وبعد طول عناء ، جاء الفرج ، أرتفع صوت نسائي جميل ودافئ عبر الميكرفون بأن نستعد . نشط الركاب من جديد ، وراحت الصيحات تتعالي واندفع الجميع تجاه باب المغادرة .
.
القاهره. شتاء 1994

الثلاثاء، أغسطس ٠٥، ٢٠٠٨

3 - حكايات مسافر.. " الطريق الي بغداد"

"القاهرة. صيف 1975"
حين زرت العراق لأول مرة كانت هناك نبرة تفاؤل عالية بأن هذا البلد من الممكن أن يضاهي أية دولة أوربية متقدمة، وكان هناك الكثير من الآمال التي عقدت علي هذا البلد وشعبه.ماالذي حدث . وهل من جديد يمكنه أن يأتي.
كان من الواضح أن ارتفاع أسعار البترول - نتيجة لحرب أكتوبر - أعطي دفعة كبيرة للدول العربية للسير قدماً تجاه تنفيذ خطط تنمية كبيرة لبلادهم وهو ما انعكس بعد ذلك علي تغيرات كبيرة في شكل الخدمات المقدمة للمواطن هناك مثل شبكات الطرق الرائعة والخدمات الصحية الراقية إضافة للخدمات التعليمية وغير ذلك في شتي مجالات التنمية.

كانت صفحات الجرائد ممتلئة هذه الأيام بإعلانات الوظائف المطلوبة للأسواق العربية . ولعل الساسة العراقيين رأوا أنه من الأنسب لهم التوجه مباشرة للسوق المصري لمعظم طلباتهم من الكوادر المطلوبة وذلك عن طريق الإعلانات بالجرائد اليومية ، فذلك إضافة انه يحقق شعاراتهم بأن العراق بلد كل العرب وأن أي فرد يستطيع دخول العراق والعمل بها - وتلك كانت الخطوة الثانية للتواجد المصري بالعراق - فقد كان ذلك يضمن لهم دفع مرتبات أقل مما يحدده بروتوكول التعاون بين البلدين، فضلاً عن مرتبات باقي دول الخليج ، وذلك وفق ما يسمي بالعقود الشخصية.وكان طبيعياً أن يبدأ بالكوادر المتخصصة والراقيه من المهندسين والأطباء والمحاسبين والمدرسين وأساتذة الجامعات . ذلك أن الوجود المصري في العراق كان قاصراً حتى ذلك الوقت علي الكفاءات التي تعمل بموجب بروتوكول التعاون بين البلدين ، وكان العدد قليلاً وأغلبهم من أساتذة التعليم الثانوي ومعاهد المعلمين ، كما كان يوجد أيضاً بعض مهندسين الري .
والحق ان العراق كان محقاً في ذلك ، فأحواله الإقنصادية - ذلك الوقت - لم تكن تسير بنفس الوتيرة المتصاعدة كباقي دول الخليج . كما انه كان يواجه حرباً في شمال البلاد ، وبالنتيجة فقد كانت طبيعة الحياة هناك أقرب في شكلها لطبيعة الحياة في مصر ، ويعزز من ذلك الأمر أن دخل المواطن العراقي كان تقريباً متساوياً مع دخل المواطن المصري.
.
وكان الانطباع السائد - ولايزال - عن العراق أنها بلد الثورات والانقلابات وأنهار الدماء والسجون وأحكام الإعدام . كانت الصورة أكثر من قاتمة ومع ذلك فقد أخبرني أحد الأصدقاء الذين زاروا العراق بأن الأمر لا يصل إلي هذا الحد ، وأن هناك الوجه الأخر وهو حسن إلي حد كبير . فتشابه الأحوال الاقتصادية وتساوي الدخل للمصريين والعراقيين جعل هناك نوعاً من القرب الطبيعي بين المصري والعراقي . خلافاً لما كان سائداً بباقي دول الخليج ، حيث العلاقة محددة ومعروفة سلفاً ، بحيث لاتسمح بأي علاقة أو تقارب ، بل علي العكس لابد من وجود مسافات فاصله ، لا يجوز للمصري أن يتعداها . كما أن البلاد جميلة وغنية والمستقبل يحمل الكثير من الرخاء ذلك أنهم فيما يبدو هناك لا ينقصهم الإيمان أو الشجاعة لتنمية بلادهم وتحديثها، وتلك الضمانة الحقيقية للإستقرار والتأثير علي مجريات الأمور.
.
كان كل ذلك يبدو صحيحاً للوهلة الأولي. لكن، هل ظلت تلك الصورة وبهذا الشكل. لماذا نسبق الأحداث. لنعد للبداية ثانية. جاء جاري الأستاذ عبد الموجود ، لتوديعي وإعطائي نصائحه ووصاياه الأخيرة . ومشكلة جاري أنه يعتقد أنه يفهم في كل الأمور لذا فحديثه يحتاج لوقت طويل وصبر لمتابعته .
- أخيراً ، هتسافر للعراق .
وراح يضحك ، ولم أجد سبباً للضحك ففضلت الصمت ، غير أن حالة من القلق بدأت تساورني ، فعبد الموجود حين يضحك - وهو يتحدث - بتلك الطريقة فلابد أنه يحمل أخباراً سيئة .
- فيه حاجه عاوز تقولها ياعبد الموجود . قامت ثوره جديدة في العراق .
واصل ضحكه ، وهو ينظر في وجهي ، زاد ارتباكي وأيقنت بأنه يريد إبلاغي رسالة خطيرة .
- العراق مش وحش ، بس خلي بالك .
- من إيه ؟
- أصل المشكلة مش في العراق . المشكلة فيك .
- أرجوك توضح كلامك ، إذا كان فيه حاجه مفيده قولها .
- ملكش دعوه بالسياسه !! إبعد عن السياسه هتعيش كويس .
والحق أن وصية جاري لم تكن الأولي ، فأي إنسان كان يعلم بسفري للعراق إلا وينظر في وجهي متأملاً ثم يتحدث إلي بإشفاق قائلاً :
- المهم ، تخلي بالك وماتتكلمش في السياسه.

كانت هذه النظرة السائدة عن العراق والعراقيين ، شعب متقلب ، الثورات والانقلابات كثيرة وتتسم بقدر كبير من الإنفعال والدموية ، حرية التعبير غير متاحة . وكل ماهو متاح أمام الفرد الانضمام للحزب الحاكم والالتفاف حول الزعيم والتغني بأمجاده.
.
ويبدو أنه كان لي رأي آخر ، فالكلام في السياسة - في رأيي - هو الحد الأدنى المتاح أمامي كي أعبر عن رأيي ، ليس مهماً أن أعمل بها ، فذلك أمر يجلب المتاعب بالفعل إضافة لأن ذلك له مؤهلاته التي لاتتوفر لدي ، وله أيضاً نوعية معينة من الرجال لا يجدون ضيراً في أن يتخلوا عن حرية فكرهم لخدمة المعتقد السياسي الذي يخدمونه . وأنا لا أستطيع العيش دون مساحة كافية خاصة بي لوحدى أتحرك فيها علي هواي ، أمارس فيها حريتي وأطلق العنان لفكري . وكما أنه لا يفترض أن يكون الإنسان ترساً منضبطاً داخل آلة كبيرة يملك مفتاح تشغيلها السلطان أو الزعيم ، فهو أيضاً ليس بالحيوان الذي يعيش فقط كي يأكل ويشرب ويتناسل ، لقد خلق الله الإنسان حراً كي يعمر ويبدع ، وتلك هي قمة المسئولية أمام الخالق .
- أنا عارف مفيش فايده ، إنت ناوي تقول الكلام ده هناك .
- ياعبد الموجود إحنا بندردش مع بعض .
- الكلام ده هناك ممكن يوديك ورا الشمس . خليك عاقل .
- يعني أعمل إيه .
- يا أخي إعمل معروف وماتتكلمش في حاجه . مالكش دعوه بكل الكلمات اللي هاتوديك في داهيه ، حرية ، واَله ، وحيوانات ، وزعيم ... أنا قلتلك . وانت حر .
- شفت أديك قلتها أنا حر .
كان من الواضح أن المناقشة مع جاري وصلت للحد الذي أصابه بنوع من القرف . نظر إلي وهو يبتسم في بلادة ، ثم أدار رأسه بعيدا في إشارة معبرة عن تجاهلي ، وسأل عن السيارة التي تقلني للمطار .
- ياخونا التاكسي أخباره إيه .
- التاكسي وصل.

أقلتني سيارة تاكسي طراز فيات قديمة ومتهالكة ، القاهرة في يوليو لاتطاق ، من المؤكد أن حرارة الشمس أذابت طبقة الأسفلت التى تغطى الطريق ، ذلك أمر واضح من صوت احتكاك عجلات السيارة العجوز بأرضية الشارع ، ليختلط كل ذلك بأدخنة تتصاعد من كل أجزاء السيارة ، نكاد أن نختنق ، أصرخ بيأس :
- افتحوا الشبابيك .
- الشبابيك كلها مفتوحه .
- ياعم ، إنت جايب العربيه ديه منين .
- يابيه دي عربيه مفيش منها ، دي إتنين كامه .
- إتنين كامه ولا عشرين ، المهم إعمل حاجه للدخنه اللي هتقضي علينا .
- ده الشكمان ، وشوية تصليح بسيط وتبقي رهوان .
- ياعم صلحها ، حرام عليك .
- ما نت عارف يابيه الظروف ، شوف كيلو اللحمه بقي بكام.!!

كان لأي حديث تلك النهاية . ومها تحدثنا ، في السياسه أو الأدب أو العلوم ، فلابد أن ينتهي بنا الحال الي الأسعار واللحمه والزيت والسمن ورغيف العيش والسكن والحكومه وإسرائيل . ومع كل ذلك فأنني أعتقد أن جيلي كان أكثر راحة وسعادة بل وزهواً . كنت وانا واحد من هذا الجيل لدي الأمل والتفاؤل بغد أفضل لابد له أن يأتي . كان يجمعنا الإحساس بالفخر بعد حرب أكتوبر ، ولم يكن لدي أي منا أدني إستعداد للمزايدة علي إنتصارنا في إكتوبر ، كنا نعاني من المعيشة واللحمه والزيت والسمن ورغيف العيش والسكن ، ليكن ، لكن الغد سيأتي بكل الخير لمصر .
- ياعم حاسب ، إيه اللي بتعمله ده .
- يظهر يابيه والله أعلم أنه الكاربراتير .
- أنت مش قلت الشكمان !!
- الكاربراتير برضه تعبان شويه .
- هيه باينه من أولها ، الطياره ميعادها خلاص .
- إن شاء الله فيه وقت . ماتستعجلش.

إحساسنا بالوقت غريب ، لاأعتقد أن هناك مشكلة بيننا وبينه ، ولن تجد شعباً غني للصبر مثلما غنينا ، وتظل عالقة بذهني - ومنذ الطفولة - تلك اللافتة المعلقة بأحد المحلات وقد كتب عليها الصبر ورسم بجانب الكلمة مفتاح ضخم.من المؤكد أن الصبر يكون مطلوباً عند الشدائد ونفاذ الوسيلة ، لكن أن نركن إليه هكذا وبهذا الشكل فتلك مشكلة كبيرة وفي حاجة لدراسة . كان لدي الحس بأنه ينبغي أن نتعامل مع الوقت بشكل أفضل .
- هيه اللحمه برضه السبب .
- الظروف يابيه تعمل أكتر من كده .
- نزل الشنطه .
لم يكن بالإمكان أن نمشي الي المطار رغم أنه لم يكن بعيداً ، رحت اشير للسيارات التي كانت تتسابق فيما بينها ، وأخيراً توقفت أحد السيارات الخاصه ، شرحت له المشكله ، سمح لنا مشكوراً بالركوب .
- المشكله أن التاكسي مع أنه اتنين كامه بس الشكمان تعبان شويه .
- إنشاء الله هتلحق الطياره .
- إحساسي إنها طارت خلاص .
وصلت أخيراً المطار ، إقتربت من موظف الإستعلامات ، سألته بقلق عن رحلة بغداد .
- طيارة بغداد عليها تأخير ، عطلانه .
- عطلانه !! الشكمان برضه، إمتي هيصلحوها .
- الله أعلم . بعد ساعتين ، بعد أربعه ، ماتستعجلش .
- بس دي طياره ، والمفروض أنهم ...
- دور علي مندوب العراقيه وقله الكلام ده.

كنت أعتقد أن حركة الطائرات أكثر دقة في مواعيدها عن أي وسيلة أخري للمواصلات ، إلا أن اعتقادي هذا ظل خاطئاً لفترة طويلة ، خاصة لخطوط الطيران العربية . حاولت ومعي بعض المسافرين ، العثور علي مندوب الخطوط العراقية دون جدوى ، نصحنا أحدهم بدخول قاعة الترانزيت للاستراحة ومتابعة أخبار الطائرة. سألته:
- أيمكنني الخروج بعد ذلك والبقاء مع أسرتي .
- طبعاً مش ممكن ، لأنك لو دخلت الترانزيت ، بعد ختم الجواز ، كأنك خرجت بره مصر .
- بس أنا لسه جوه مصر .
- شوف ، واضح إنك مش فاهم تعليمات السفر ، علشان تدخل منطقة الترانزيت وتخرج منها ، فلا بد من إلغاء إجراءات المغادرة ، وعند دخولك مرة ثانيه ، لابد من إعادة إجراءات المغادرة مره ثانيه. دي قوانين وتعليمات.
- وطبعاً هناك فيه ختم تاني وبيانات تانيه .
- هناك فين ؟
- بغداد .
- هو أنت مسافر بغداد .
- أيوه ، فيه حاجه .؟!
- لأه ، مفيش ، هناك ياسيدي فيه ختم وفيه حاجات تانيه كتيره .
من الواضح أنني كنت جاهلاً تماماً بكل تلك القوانين والتعليمات، ولم يكن لدي مقدرة علي الاقتناع بها، إلا أنني علي الأقل أدركت أن السفر من دولة عربية لأخرى عربية له طقوسه التي لابد وأن تنقذ ، ورحت استرجع مفردات تلك الطقوس ، منطقة ترانزيت ، ختم مغادرة ، ختم وصول ، بيانات مسافر . ومن المؤكد أن كافة بيانات المسافر هنا وهناك ستسجل بكل دقه وأن نسخة من تلك البيانات ستكون أمام أجهزة الأمن للدراسة والمتابعة والعمل بها عند اللزوم . ويبدو أنني رحت أدمدم.
- أمال إيه حكاية بلاد العرب للعرب و...
- إنت جاي منين بالضبط !!
- من إمبابه .
- أنا شايف أنك تدخل الترانزيت أحسن.

وفهمت - أخيراً - من رده أنني قد وقعت في المحظور ، وأن وصايا جاري عبد الموجود لم أستطع تنفيذها ونحن لانزال بالقاهرة ، وكان لي عذري في هذا ، فقد كانت روح انتصارنا في أكتوبر تجلب لنا العديد من المعاني الجديدة للتضامن والإخاء العربيين ، إضافة لثقة بالنفس والمستقبل بدون مبالغة أو تكبر ، فالسادات يدير معركة جديدة - داخل مصر - لاتقل في خطورتها عن حرب أكتوبر ، فقد كان يمهد لعبور من نوع آخر ، تجاه ضفاف الحرية واحترام الرأي الآخر ، وبشائر نسمات الحرية القادمة لمصر توحي بالتفاؤل. ولم تكن روح الناصرية قد خبت بعد ، وجذوة الحس القومي لاتزال متوهجة ، وبتصرفات أقرب في شكلها للرومانسية كنا علي اقتناع كامل بأن كل ماقيل لنا له وجهه الأصيل ، فبلاد العرب ينبغي أن تكون للعرب ، والوحدة العربية هي الحصن والملاذ ، وأن تحقيق ذلك أمر وارد وممكن ، إن لم يكن غداً فبعد غد . المهم في الأمر هو كيف يمكن تحقيق ذلك.

.
القاهرة : شتاء 1994

الأحد، أغسطس ٠٣، ٢٠٠٨

2 - حكايات مسافر. " لو كان لي جناحان "

وشاء حظي - بعد ذلك - أن أعمل بأحد المطارات العربية مما جعل السفر بالنسبة لي أمراً ميسوراً، كما خدمتني الظروف السياسية كثيراً لأزيد من عدد جولاتي للعديد من البلاد والمدن، فقد فوجئنا نحن المصريين صباح أحد الأيام وبعد قمة بغداد الشهيرة ( 1979 ) التي أقرت المقاطعة العربية لمصر، بأن السفر للقاهرة بالطائرات العربية أو المصرية أصبح أمراً مستحيلاً. طبعاً لم يكن بالإمكان الاعتراض أو التصريح بعدم جدوى مثل تلك القرارات الغريبة التي لا تؤذي سوي المواطن العادي الذي يتلهف للعودة إلي بلاده . سألت وقتها عن الحكمة في ذلك القرار الثوري والعظيم، أجابني أحد الأصدقاء العراقيين بأنه لغرض الضغط علي الحكومة المصرية .
- لكن في الحقيقة إحنا اللي المضغوط علينا .
- هوه ده المطلوب بالضبط .
- بس إحنا الشعب .
- مش مهم الكلام ده عند القادة .

- وإيه تاني ؟
- القرار أيضا يعد رسالة تحذير للحكومة بأنه ممكن فيه حاجات تاني
- زي إيه .
- يعني ممكن الاستغناء عن خدمات كل المصريين .
- المهم أسافر علي مصر ازاي .
- سافر بالطيارة لأي بلد ومنها بطياره أجنبية علي مصر .
- وليه اللفه دي كلها .
- هكذا الأمر .
- كل ده علشان القادة العرب زعلانين من مصر؟! .
- أخي حاول تفهم ممنوع طياراتنا تروح مصر وممنوع طيارات مصر تيجى هنا.
- مش ملاحظ أن الأجانب هما اللي المستفيدين من القرار ده .

وبالفعل، فقد شهدت مطارات عديدة مثل لارناكا وأثينا ومالطة ازدحاما ورواجاً لم يكن يحلمون به، وكما شهدت الطرق البرية والبحرية جموعاً هائلة من المصريين العائدين لبلادهم. ووسط ذلك الازدحام والتكدس كان هناك العديد من المشاكل والماَسي التي واجهت جموع المصريين العائدين وللحد الذي كان يصل لامتهان آدميتهم وكرامتهم .وعلي طول الحدود البرية العربية قدر لجموع المصريين أن يمارسوا أقصي أنواع ضبط النفس والصبر والجلد في مواجهة تعنت واستخفاف موظفو الجوازات والجمارك وحرس الحدود وحتى المواطنين العرب الذين وجدوا في كل ذلك فرصة طيبة للكسب والابتزاز.إنها حالة كثيراً ماتتكرر، ولعلها تشكل القاعدة في التعامل مع المصريين عند نقاط الحدود والجوازات والجمارك العربية والتي أسفرت عن شعور بالتوتر يتملكني - ويشاركني في ذلك الإحساس الكثيرون - عند الشروع في زيارة دولة عربية .
وهكذا يصبح المواطن المصري دوماً الحائط المائل الذي ترتكن عليه حماقات القادة العرب .

علي كل وجدت نفسي - فيما بعد - قادراً علي السفر. واكتشفت أنني عاشق له. فبين كل آونة وأخري كنت أتحين الفرصة لأطير لأي بلد. زرت العديد من البلدان البعيدة والقريبة. إنجلتره، النمسا، المجر، قبرص، إيطاليا، الأردن ، الكويت ، سوريا ، تايلند ، ألمانيا، بخلاف إقامتي لفترة كبيرة بالعراق .
وأصبح هاجس السفر يلح علي دوماً بالتجوال والاستزادة ويقف لي دوماً بالمرصاد إذا ماكررت زيارة أحد البلاد ثانية. فقد دفعني حبي لبعض البلاد أن أكرر زيارتها مرات عديدة مثل لندن وفيينا وبودابست ولارناكا. وأعترف أنه كان محقاً في ذلك فقد كان من الممكن والأجدى أن أسافر لبلاد أخري لم أراها من قبل.
يبدو أن عشق السفر لايقبل بمحبوبة سواه. ولعل ابن بطوطة خير مثال للرحالة الذي كان كلما وجد نفسه محاصراً في أحد البلاد بالزوجة والعيال إلا ووجد لنفسه عذراً لمغادرة ذلك البلد ومعاودة الترحال .

كان شاغلي في كل رحلاتي - وأيضاً في الأماكن التي عملت بها - محاولاتى الجادة للفهم، فهم للمكان وللإنسان. والأمر لم يكن بسيطاً كما كنت أعتقد وكما كنت أريد ، فالقرب من الإنسان يظل محفوفاً بمخاوف ومحاذير تفرضها اعتبارات عديدة، كما أن البلاد لا تبوح بأسرارها ببساطة لكل عابر مهما كانت مهارته وخبراته، إنه شيء - كما يصفه عاشق مصر الدكتور جمال حمدان - أشبه باكتشاف جبل جليدي عائم، فمهما حاولت فلن تري منه سوي قمتة بينما يظل باقيه مدفوناً في الأعماق.

ومع كل ذلك فباعتقادي أنه يكفيني شرف المحاولة لكل ما سأكتبه. وهو لن يزيد عن ذلك، فلا تنتظر مني ياصديقي أن أحشو كلامي بأرقام وخرائط وأسماء، ذلك لم يكن ذلك عملي أو هدفي. كل ما ستجده هو انطباعات شخصية فرضتها ظروف المعايشة ومحاولة الفهم.

وربما كان هناك شاغل آخر أكثر إلحاحاً وأهمية، وهو موقف الإنسان المصري في البلاد العربية الجاذبة للعمالة. مالذي يحدث له، وكيف تتشكل علاقته بمن حوله من أبناء تلك البلاد. ولماذا يكون المصري دوماً هو الضحية. إنه أمر يشكل بكل المقاييس هماً مضافاً لهموم الغربة ومتاعب البحث عن الرزق .

ومع أن معظم رحلاتي كانت منذ سنوات بعيدة وأحداثها قديمة، فمعظمها حدث في السبعينات والثمانينات، إلا أنني أري أنه لم يجد جديد، بل علي العكس فكثير من تلك الأحداث لاتزال في انتظار نهاية لها قد لاتأتي إلا بعد مرور كثير من الوقت، وقد لا تأتى بالمرة أية نهاية. ولعل ذلك أحد السمات العربية الأصيلة، فتلك هي اللعبة المفضلة للحكام العرب أياً كان أسمائهم، رئيس أم ملك أم شيخ أم أمير أم زعيم. فأولئك الحكام هم المسئولون عن كل مانجابه بالمنطقة من أحداث رديئة وتكرار ممل للرداءة والرتابة. فمعذرة إن وجدت بعض الأحداث معادة، فذلك لن يكون ذنبي، فلولا كلام حكامنا العرب يعاد لنفد كل مالدينا من كلام.

ولعلني لا أضيف جديداً إذا قلت أن كل مانواجهه من مشاكل مع العرب هو افتقادهم للحرية ولأساليبها في التعامل. فالحوار بيننا معدوم أصلاً وإذا ماتم فنفسه قصير للغاية ومفرداته معروفة، الطلقة والسكين والسجون الضيقة. وأبسطه السباب والاتهامات الساخنة بالخيانة والتكفير.

ويصبح الدفاع عن حرية الإنسان العربي مدخلاً لتصحيح الكثير من المواقف والقضايا. وقد يبدو للوهلة الأولى أننا في مصر نتمتع بقدر كبير - نسبياً - من الحرية وحق التعبير، وقد لا نكون في مصر راضين عن كل ذلك ونطمح للمزيد، إلا أن مانتمتع به يعد بكل المقاييس أكبر بكثير مما هو سائد وموجود في معظم لدول العربية.

ذلك ليس نوعاً من التباهي فتلك حقيقة. وليس من مطلب سوي أن نطالب بالمزيد من الحريات للمصري داخل بلاده أولاً حتى تصبح مصر واحة للحرية الحقيقية والأمان وسط تلك المساحات الهائلة من الصحراء المجدبة. ويقيني أنه إذا ماتم ذلك فستنتشر عدوي الحرية لمساحات أبعد من الواحة المصرية.

وتتوالي الأيام والسنين ولازلت أحلم بالسفر والترحال إلي بلاد الله الواسعة وحيث الإنسان يكد ويسعى ويحلم ويحب .
لازلت أحلم بالسفر إلي أمريكا، اليابان، فرنسا، الدول الاسكندفانية ، جنوب أفريقيا، الجزائر، جبل طارق، وكم أتمني أن أقضي كثيرا من الوقت - ثانية - وسط الأكراد في شمال العراق في محاولة ثانية للفهم. وربما تحين لي الفرصة لزيارة لواء الأسكندرونة، وقبل كل ذلك فكلي شوق لزيارة المدن المحررة من فلسطين.
لازلت أملك الحلم بالطيران والتحليق .
اَه لو كان لي جناحان!!
.
القاهره: شتاء 1994

السبت، أغسطس ٠٢، ٢٠٠٨

1 - حكايات مسافر.... " الفائدة السابعة للسفر" ...

منذ مايزيد علي العشرين عاماً وأنا في حالة سفر. كانت البداية البحث عن عمل خارج مصر، كان السفر هذا الوقت ترفاً لا أقدر عليه، حتى استطعت الحصول علي عقد عمل بالعراق كمدرس بالتعليم الصناعي. وكنت متردداً فخبراتي بالتدريس قليلة كما أنني كنت - ولازلت - أعتقد أن التدريس مهنة شاقة وأن المقابل المادي لها قليل للغاية .
ذات يوم وأثناء عملي بمصنع الحديد والصلب بحلوان ووسط ضجيج الماكينات ولفيح الحرارة والأدخنة المنبعثة من الفرن العالي لمحت أحد أساتذتي صاعداً درجات السلالم الحديدية التي تحيط بأحد بنايات الفرن، ومعه مجموعة من تلاميذه الذين جاء بهم لزيارة المصنع. كان الحوار معه صعباً للغاية ومع ذلك فقد أخبرت أستاذي بسفري القريب .
- بس خايف .
- بتقول إيه. زعق شوية .
- المشكلة يا دكتور إني مسافر ومش هاشتغل مهندس .
- طيب وإيه يعني. هاشتغل إيه ؟! .
- مدرس .
- علي صوتك .
- في التدريس .
- رائع هتكسب خبرة جديدة. إيه المشكلة.!! مسافر فين؟
- العراق. ودي مشكله لوحدها .
- ولا مشكله ولا حاجه. اسمع، السفر في حد ذاته مكسب. وبعدين وقت متلقي نفسك مش قادر تواصل في العراق سافر لمكان تاني .
- مكان تاني فين يا دكتور؟! .
- عندك ماليزيا وسنغافوره، بلاد كويسه، وقريبين من العراق. تقدر تسافر لهناك بسهوله .
- فين يا دكتور.؟!
- باقولك ماليزيا وسنغافوره .
- ماليزية إيه وسنغافورة إيه يا دكتور . أعمل إيه هناك؟! .
- اشتغل. هناك فيه مطاط، اشتغل في المطاط .
- مطاط إيه اللي اشتغل فيه يادكتور أنا خايف أسافر أصلاً .
- زي ماقلتلك السفر في حد ذاته مكسب كبير، ده له فوايد سبعه. صدقني هاتكسب .
وراح يعدد فوائد السفر فائدة تلو الأخرى .
- لكن دول سته بس يادكتور .
- عليك باكتشاف الفائدة السابعة بنفسك.

ورغم أن ذلك الموقف حدث بهذه الطريقة العفوية، إلا أنه كان أول درس لي في تجربة السفر، وأنا أدين به لأستاذي. طبعاً لم يسعفني الحظ بالذهاب إلى ماليزيا أو سنغافورة للتجارة بالمطاط. كما أنني لازلت أبحث عن الفائدة السابعة للسفر.
.
القاهره : شتاء 1994