السبت، ديسمبر ٠٦، ٢٠٠٨

تقمص الشخصية في المسلسلات التلفزيونية .. يحيي الفخراني

.
استسلمت – أخيرا - لقدري ولما هو مكتوب لي أو علي، واكتفيت بالرقاد أمام شاشة التلفاز أتابع العديد من المسلسلات الدرامية. والتي كانت لكثرتها وتكرار الكثير من الممثلين للعمل بمعظمها رد فعل سيئ عندي، لدرجة أنني كنت اكتفي بمشاهدة حلقة من مسلسل ما دون أن أجد رغبة أو متعة في مواصلة المشاهدة لحلقة أخري لمسلسل آخر. وكنت كثيرا أحدث زوجتي – رفيقتي – في المشاهدة والتعليق بأن الممثلين يقفزون بخفة ومهارة من مسلسل لآخر، لدرجة أن الأمر اختلط علي ولم أعد بقادر علي معرفة من يكون أبو من ومن هي الأم وما هو سر المشكلة إذا كانت هناك مشكلة أصلا. وكانت زوجتي تعالج الأمور وتوضحها لي بصبر ومهارة، وتقنعني بأنني أتحدث عن مسلسل آخر غير الذي نشاهده، بالرغم من وجود نفس الممثلين في كلاهما. علي كل لا أعتقد أن حالتي الصحية أو مزاجي قادران علي مساعدتي بالكتابة عن أفكار تلك المسلسلات، أو المقارنة بينهم أو اختيار مسلسل كأفضل ماتم عرضه. فالحقيقة أن مثل المقارنات هي للاستهلاك والإثارة، ولا بأس بها مادام هناك من يغذيها ومن يرحب بالتطوع بالإجابة، فعالم الفضائيات رحب وواسع وليس سهلاً أن تحجر علي أفكار أو طرق عمل تلك الفضائيات، حتى لتلك التي تبدو أكثر تخلفا وجهلا وسماجة في عرض موادها للمتفرج المسكين.
.
كان من ضمن المكاسب التي اعتقد أنني جنيتها من الرقاد أمام التلفاز ومشاهدة العديد من تلك المسلسلات والأفلام هو زيادة فهمي لموضوع تقمص الممثل للشخصية التي يلعب دورها. سأستعرض هنا بعض أسماء الممثلين الكبار وأتحدث عن طريقة فهمهم وتقمصهم. بطبيعة الحال القائمة طويلة إلا أنني سأكتفي بالحديث عن: يحيي الفخراني ونور الشريف وعادل إمام. وربما تذكرت غيرهم لأكتب عنهم في وقت لاحق.
.
يحيي الفخراني ممثل قدير ومحبوب من جماهير المشاهدين، ولديه قبول قوي وحضور رائع لدرجة أن جزء كبير من نجاح أي عمل يكون مشاركا فيه ينسب له. وهو كممثل يستطيع بإجادة وبساطة أن يلعب أي دور يسند إليه. وما يهمني في الحديث عن يحيي هو قدرته الفائقة والرائعة علي تجنيد وتسخير حجمه الضخم وكتلته الكبيرة التي تبدو غير متسقة، وغير جميلة بالمرة. فهي كتلة مملوءة بالشحوم وليس هناك أي تناسق في خطوط جسده، للحد الذي أتخيل أن صاحب مثل هذا الجسد المترهل يجد صعوبة بالغة في الحياة في التأثير والإقناع وكسب الود من الباقين، فما بالك ويحيي يجني كل ذلك من المتلقي وهو يؤدي ببساطة وتلقائية، ودون أدني حرج منه في إخفاء تضاريس جسده المترهل. بل العكس فإحساسي أنه يتعمد أظهار ذلك وتسخيره (الحجم والكتلة) وهو يتقمص الشخصية التي يمثلها.

شاهدت للفخراني مؤخرا عدد من المسلسلات الجميلة منها: الليل واَخره، ويتربى في عزه، ونصف ربيع الآخر. في الليل واَخره يلعب الفخراني دور الصعيدي التاجر الثري والشقيق الأكبر للعديد من الأشقاء الذين أكملوا تعليمهم وحازوا المناصب الرفيعة ليصبحوا نجوما في المجتمع. والمسلسل يتحدث عن الخلافات التي تنشأ بين هذا النموذج وأخوته. وربما كان التعميم مفيدا ولعل ذلك أحد حسنات هذا المسلسل فمثل هذا النموذج يعيش وسطنا، وهم كثرة وقد لا نشعر بهم إلا في حالة حدوث مشاكل جسيمة وخلافات في الرؤي معهم. وفيما كان أخوته يغيرون ملابسهم - خلال مشاهد المسلسل - ببذلات أنيقة لم يفارق جسد الفخراني الجلباب الصعيدي والكوفية. وهو زي علي بساطته يشكل الزى الشعبي الصعيدي. والحق أنه كان متمشيا مع جسده الضخم بحيث أن هذا الجسد أضاف الكثير من المهابة والأناقة والإقناع وهو يرتدي ذلك الزى البسيط. بطبيعة الحال أجاد الفخراني في الحديث باللهجة الصعيدية وأتقنها، كما أتقن في البوح بمشاعره الداخلية التي كان يفجرها بين الحين والآخر وهو يستجير طالبا العدل والرحمة وأن تتفهم عائلته مشاعره واحتياجاته.

لا يمكن أن يعد الفخراني ممثلا جميلا، فإضافة للحجم الكبير وكتل اللحم، والشحوم الهائلة التي تغطي جسده، فوجهه ليس جميلا بالمرة بمقاييس جمال الرجال بطبيعة الحال. فهو يملك أنفا ضخما للغاية لا أعتقد أن له مثيلا بكل مصر، كما أنه لا يهتم علي الإطلاق بتسريحة شعره أو محاولة عمل "نيو لوك" لهذا الوجه الضخم. لكن المؤكد أنه أيضا يملك وجها ليس دميما، بل هو وجه معبر وصافي القسمات، ويستطيع أن يعبر بهذا الوجه خاصة صفاء العينان ونغمة صوته المميزة للكثير من الانفعالات الإنسانية بدرجاتها وأنواعها المتباينة.

وربما هي سمة للفخراني بأنه لا يعتمد علي الماكياج في تغيير الخطوط العامة لشكله أو مظهره الخارجي. وأنه ولذكائه الشديد ولحسه الفني الراقي وفهمه لطبيعة الشخصية التي يتقمصها كسب كل تلك "الفوضى" الجسدية وحتى شكل وجهه ذو الأنف الضخم، كسبه أيضا في مد جسر من القبول والحب والإقناع بينه أو بين الشخصية التي يلعبها وبين المتلقي.

في مسلسل " يتربي في عزه " لعب الفخراني دور الابن الأكبر الثري والمدلل للغاية كإبن وحيد " لماما نونه " والتي قامت بتأدية دورها الممثلة القديرة كريمة مختار. في هذا المسلسل نجح الفخراني أن ينقل إلي المتفرج سخافة دلع الابن الأكبر، فما بالك وإذا كان هذا الابن تجاوز الستين وله عدة تجارب فاشلة في الزواج، والعديد من الأولاد أكبرهم ضابط شرطه صارم الطباع وأصغرهم شاب التحق حديثا بركب الإرهاب. تركيبة صعبة ومزعجة رغم أن خيوط الأحداث في المسلسل كانت تنساب بهدوء وعقلانية وبشكل إنساني جميل. .
لا يحاول الفخراني المبالغة في تأدية أدواره، ففي ذلك المسلسل اكتفي باظهار الشخصية من الخارج في تعاملاتها مع الآخرين، وبملابس تناسب تلك الشخصية "تي شيرتات واسعة وبنطلونات جينز"، والتحرك بخفة ومهارة شاب في العشرين. ورغم كل المعوقات الجسدية التي تحدثت عنها، فالفهم السليم للشخصية مكنه من قيادتها ببراعة ويسر، وأيضا أن يخرج لنا أيضا بعضا من أسرارها الدفينة الداخلية، كموقفه عند موت أمه في ذلك المسلسل. وهو بهذا ينجح في التقمص حتى لو كان من الخارج في أن يقود الشخصية بإيجابية وبراعة ومهارة وحرفية عالية. وبالرغم من سلبية الشخصية فقد تعاطف معها الجمهور. لسبب وحيد أن الفخراني هو الذي أدي تلك الشخصية، بحيث لم يفقد حب وتعاطف المتلقي – كالعادة - وكما يحدث مع أي شخصية أخري يؤديها.
.
الفخراني أستاذ محترف في التقمص " من الخارج " ووسائله كثيرة تبدأ بفهمه لطبيعة الشخصية ثم تكييف إمكانياته الجسدية لإظهار ملامح تلك الشخصية ثم الاستعانة بحرفيته العالية في "الحوار والحركة والنطق". وأخيرا الاهتمام الكبير بنوع الملابس والتي غالبا لا تزيد عن ملابس بسيطة للغاية، لكنها تؤدي دورها في قبولنا لحركة تلك الكتلة الكبيرة من العاطفة المتدفقة والوهج الخلاق .
.

الأربعاء، ديسمبر ٠٣، ٢٠٠٨

تقمص الشخصية في المسرح ...

.
تقابلت خلال إجازتي الأخيرة مع اثنان من ممثلين المسرح النمساوي. فيرنر بريكس، وجوركيوري سبيرج. الأول يعمل ممثلا http://www.sobieszek.at/sites/A_KuenstlerC_Videos.php محترفا ويقدم عروضه في مسارح اتفق علي تسميتها بمسارح الكباريه وهي مسارح منتشرة بمعظم المدن الأوربية وليس لها علاقة بالكباريه الليلي وكما نفهمه. فهي مسارح صغيرة عدد كراسي المتفرجين محدود وربما لا يزيد عن المائة. وهي مسارح تعني بتقديم الجديد من اجتهادات الممثلين والفرق الصغيرة، والتي يري القائمون عليها أنها تتمشي مع اهتمام المشاهد ومتعته.
الجميل في الأمر هو اهتمام المشاهد بمتابعة برامج تلك المسارح، وما يعني ذلك من أن تلك المسارح تكسب الكثير من وراء بيع بطاقات الدخول للمشاهدين. وهذا يفسر انشغال الممثل الدائم بالترحال لكثير من المدن الأوربية لتقديم أعماله.
برع فيرنر في تقديم أعماله الكوميدية علي شكل منولوج داخلي، وقد اختار لنفسه شخصية الإنسان الأوربي العصري المهموم دائما بضغوط العصر وتعقيداته النفسية والتكنولوجية ايضاً. في أحد مونولوجاته أو معاناته قدم شخصية رجل يحاول وضع رسالة إجابة اتوماتيكيه لهاتف مكتبه، وعليه أن يبدأ الرسالة فور استماعه لصفارة التنبيه، وعليه أن ينهيها بعد عدة ثواني محددة وقبل صفارة التنبيه التالية، المشكلة تبدو بسيطة للغاية وكلنا تقريبا مررنا بها لكنها بالتأكيد لن تكون كذلك مع إنسان عصبي ومتوتر ولا يستطيع أن يتوافق مع أجهزة التكنولوجيا وصفارات البدء والنهاية. في أحد شخصياته الأخرى يقدم شخصية مريض نفسي بعيادة أحد الأطباء النفسيين ومشكلة هذا المريض انه لا يستطيع الاسترخاء والتوقف عن الحديث، فهو لا يستطيع أن يتوقف عن الكلام والنظر في ساعته وإظهار توتره الدائم. ولا يستطيع الاستجابة لطلب طبيبه المعالج بالاسترخاء والتوقف عن الكلام لدقائق معدودة.

الممثل الآخر جوركيوري سبيرج ممثل محترف أيضا لنوعية أخري من الأعمال . فهوما يمكن أن نطلق عليه ممثل تراجيدي وأعماله تقدم من خلال فرقة مسرحية مشهورة وفوق احد المسارح الهامة التي تأتي في المقام بعد المسرح القومي بفينا. وقد لعب جوركيوري العديد من الأدوار الهامة مثل أحدب نوتردام وهاملت، وهذا يشير لنوعية المسرحيات التي تقدمها الفرقة التي يعمل بها.
.
سألت الاثنان. ما هو تأثير الشخصيات التي يؤدونها علي حياتهم الخاصة؟ بمعني هل ينسحب تأثير تلك الشخصيات لما بعد إسدال ستارة النهاية للمسرحيات أو الأعمال التي يؤدونها.؟!! فكما هو معلوم هناك مدرستان، الأولي وهي تهتم بالتقمص الكامل للشخصية أو ما يسمي بالتمثيل من الداخل، والمدرسة الأخرى تهتم بالجانب الحرفي لأداء الممثل وفهمه للشخصية، بحيث يكون الممثل نفسه حياديا معها وقت تأديته لتلك الشخصية، وهو ما يطلق عليه التمثيل من الخارج . الأمر الهام انه لا علاقة بكل ذلك بإجادة الممثل إذا ما تقمص ولعب الشخصية من داخله أو لم يتقمص وأدي دوره وفق فهمه ولعب الشخصية من خارجه. أريد أن أقول أن الإجادة ينبغي أن تكون واحدة، إذا ما تحدثنا عن ممثلين محترفين يفهمون ويقدرون الشخصية التي يؤدونها.

الفنان الكبير عمر الشريف من أنصار المدرسة الثانية. التمثيل من الخارج، وهو يري أن التمثيل عمل مثل أي عمل يلزمه الكثير من التدريب والفهم والقراءة والحفظ، ثم يأتي الدور لتمثيل الشخصية. وبعد الانتهاء من ذلك لا ينبغي للشخصيةأن تظل ( راكبة ) الممثل، فقد انتهي العمل وعلي الممثل أن يغادر المسرح أو الأستوديو لمنزله وللمحيطين به بشخصه الحقيقي.

ولعل المسألة تكون أسهل مع ممثلي السينما. فالشخصيات التي يؤدونها لا تتكرر كل ليلة بنفس تكرارها اليومي والرتيب في المسرح، كما وأن تنفيذ اللقطات في السينما يتيح قدرا معقولا من الراحة للمثل وعدم السماح للشخصية بالتغلغل داخله. ومع ذلك فهناك الكثير من ممثلين السينما ( تركبهم ) الشخصية التي يؤدونها للدرجة التي يعانون منها. من المعروف أن احمد ذكي كان ضمن أولئك الفنانين الذين تتعايش الشخصية معهم حتى بعد انتهاء التصوير. وضمن الحكايات التي تقال عن أحمد ذكي معاناته من شخصية ضابط المباحث المحبط في أحد أفلامه ( زوجة رجل مهم ) والذي يصر علي تقمص شخصيته ( ضابط المباحث ) حتى بعد فصله من العمل - ذلك في أحداث الفيلم - ويبدو أن الشخصية ظلت لاصقة به بعد الفيلم أيضا.

المدهش أن الفنان الكبير عمر الشريف يحكي عن يوسف وهبي عكس ما كنا نعرفه. فقد كنت أظن أنه أحد أساتذة التقمص من ( الداخل ) خاصة في المسرح. فيأتي عمر الشريف ليوضح أن هذا الفنان الكبير كان عكس ذلك تماما. فقد كان واعيا لحدود الشخصية التي يمثلها، كما أنه كان من الذكاء والخبرة بحيث كان يقودها بالشكل الذي كان يكسب معه دائماً حب وتقدير المشاهد.

ومما يقال أيضا عن أصحاب مدرسة التقمص من الداخل، أن الفنان جورج ابيض وهو أحد رواد المسرح في مصر كان أستاذا في تقمص الشخصية التي يؤديها، وكانت له طقوس لمعايشة تلك الشخصية قبل دخوله لخشبة المسرح حتى تسيطر عليه بالكامل. كان يصرخ: سخنوني سخنوني .، ثم يهرول داخلا لخشبة المسرح. وفي احد المرات اندفع بل وعي طالبا التسخين أو المعايشة أو الدعم أو المدد، وإذا به يصطدم بالديكور فيقلبه رأسا علي عقب، ويسدل الستار لإعادة ترتيب الديكور، وتسخين الممثل من جديد. ومن يتذكر فيلم الحرب والسلام بنسختيه الروسية والأمريكية سيجد مثالا لذلك خاصة لشخصية الضابط النبيل في كل من الفيلمين.

أعود لرأي فيرنر وجوريجوري. كما أسلفت بأن فيرنر يؤدي في الغالب شخصية الإنسان العصري المتوتر والمهموم دائما بالسرعة والوقت والأجهزة والعلاقات المعقدة. ويبدو أن تلك الشخصية قد أثرت عليه وعلي شكل تعاملاته اليومية مع المحيطين به، مما استدعي ذهابه بالفعل لأحد الأطباء النفسيين، الذي نصحه بالراحة التامة والبعد عن العمل لفترة، والإدراك العقلي بأن ما يقوم به من عمل هو لساعات محدودة وتتم فوق خشبة المسرح، وما عدا ذلك فيجب أن يكون طبيعيا.

الممثل الآخر جريكوري ينتمي للمدرسة الثانية ( التقمص من الخارج ) مما يعني انه يدرس جوانب الشخصية جيدا بحيث ينتهي تأثيرها فور مغادرته خشبة المسرح. وبالرغم من ذلك فهو يعترف بأن هناك شخصيات يظل تأثيرها عالقا أو راكبا.!! لمدة من الوقت، فهو لا ينسي تأثير شخصية أحدب نوتردام، وكانت تتطلب منه وضع ماكياج خاص لتلك الشخصية. وكأنه بالأحري يرتدي جسدا من الكاوتش والبلاستيك فوق جسده ليقارب في الوصف الشخصية الحقيقية لأحدب نوتردام القبيح الهيئة والأصم وصاحب العيون الجاحظة، فضلا عن حدبة الظهر والتشوه الكبير في شكل جسده. ومع كل تلك المعاناة فقد كانت المعاناة الأكبر من طريقة النطق للشخصية حيث أستوجب الأداء أن يشهق أثناء الكلام كلازمة للأحدب في طريقته في الكلام. ومن شاهد النسخة القديمة للفيلم يدرك ما أعنيه. علي كل يبدو أن تلك الشهقة الطويلة أثناء الحديث ظلت ملازمة لجوريكوري لفترة حتى بعد أن أنتهي من أداء هذا الدور المعقد والمركب.
.

الأحد، نوفمبر ٣٠، ٢٠٠٨

صباح الفل ياعم صلاح …..

.
كيف شفت قلبي و النبي يا طبيب
همد و مات و الا سامع له دبيب
قاللي لقيته مختنق بالدموع
وما لوش دوا غير لمسه من إيد حبيب
عجبي !!!!

لم أعد بقادر علي تذكر عدد المرات التي دخلت فيها وخرجت من قسم الرعاية المركزة للقلب بالمستشفي. بالتأكيد هي مرات كثيرة، ربما تفوق العشر مرات. في كل مرة أقابل أصدقاء جدد أصاب بعضهم الرعب لوجع قلوبهم، ومنهم من استسلم لأقداره في هدوء غريب. والبعض من يقاتل لحد العناد والاستماتة في مواجهة تلك الأمراض التي تصيب قلوبهم، فالأمل باق أن تظهر الشاشات التلفزيونية - بغرف القسطرة - صورة أفضل لشرايين القلب (الملكية) أو التاجية التي هي سبب الألم والعناء.
أنا واحد من أولئك المقاتلين، حتى أن الكثير من المرضي اعتقدوا أنني (حكيم) متخصص بأمراض القلوب، وكانوا يهرعون لاستشارتي والحديث معي قبل وبعد دخولهم غرفة القسطرة.
في كل مرة يدخل فيها الطبيب القسطرة المزودة بالكاميرا داخل شراييني المتعبة، ويأخذ في التجول بداخلها ومراقبتها وهو يضخ الصبغة الحمراء المؤلمة، ليكتشف أي شريان يعمل وأيهما أصابه الانسداد. في كل مرة أتذكر رباعية عم صلاح وأرددها بصوت هامس ففيها تشخيص لعلة قلبي وربما لباقي القلوب، وفيها الدواء الشافي لكل القلوب.
.

الثلاثاء، نوفمبر ٢٥، ٢٠٠٨

صباح الخير ياعم صلاح ...

.

في يوم صحيت شاعر براحة و صفا

الهم زال و الحزن راح و اختفي

خدني العجب و سألت روحي سؤال

أنا مت ؟ و لا وصلت للفلسفة

عجبي !!!

.

انا اللي عمري اشتياق في اشتياق
و قطر داخل في محطة الفراق
قصدت نبع السم وشربت سم
من كتر شوقي وعشمي في الترياق
عجبي !!!

.

فتحت شباكي لشمس الصباح
ما دخلش منه غير عويل الرياح
و فتحت قلبي عشان أبوح بالألم
ما خرجش منه غير محبه و سماح
عجبي!!!!

.

عجبتني كلمة من كلام الورق
النور شرق من بين حروفها و برق
حبيت أشيلها ف قلبي .. قالت حرام
ده أنا كل قلب دخلت فيه اتحرق
عجبي !!!

صلاح جاهين

الخميس، نوفمبر ٢٠، ٢٠٠٨

عاشقة السيدة العجوز ..

السيدة ماريا باير أو إيرين باير - نمساوية الجنسية والمولد - واحدة من عشاق مصر . قرأت الكثير من الكتب التي تتحدث عنها، وهي تزورها كل عدة أشهر وبشكل مستمر، وتحاول قدر ما تستطيع أن تقترب من الناس وفهم مايحدث. من أجل ذلك فلها العديد من الصداقات بكثير من المصريين العاديين، فهي تكره لمسات الرفاهية المتوفرة للسياح وتجد أنه من الأفضل - حين تحضر - أن تعيش مع الناس وكما يعيش الناس البسطاء.
كانت السيدة باير قد كتبت الأسطر - التالية ترجمتها - عن مصر وربما يكون الأصح أن أقول أنها كتبت خاطرة عن مصر. حاولت فى ترجمتها أن أقترب من المعاني المقصودة دون أن أخل - كثيرا – بروح الكاتبة في التعبير. ومع ذلك فلا أستطيع أن أدعي أنني قمت بأفضل ترجمة لما كتبته السيدة إيرين. ولعل هناك من يحاول ترجمة الموضوع يشكل أحسن. كما أود أن أنوه أن الترجمة للعربية التي قمت بها للموضوع هي ترجمة للموضوع بالإنكليزية والتى ترجم إليها بواسطة الكاتبة نفسها، حيث أنه مكتوب أصلا بالألمانية التي لا أجيدها بالمرة.


سيدتي الجميلة – مصر*

تنساب دموعي دون توقف حين أراك كم أصبحت ضعيفة ومنهكة للغاية، وأنت تمسحين جراحك، بينما يتواصل هجومهم عليك ونهشك حتى لا يبقي منك أية أثر .أنت سيدة ثرية. بينما يتملك أولادك النهم والسعار، لأن أرواحهم قد ذبلت وقلوبهم تحجرت، ولم يعد يملكون مايكفى من الحب أو المقدرة لمساعدة أمهم الرائعة، فأيديهم مغلولة وأرواحهم قد ثملت بسموم أفاعي الصحراء الضخمة.

يتملكني الأسى حين أري عصبة صغيرة وشرسة من أولادك قد تحولوا إلي ضباع جشعة تبحث دون كلل عن دمائك. ويا للسخرية فهم لا يتورعون – أيضاً - عن الفتك والتهام لحم أخوتهم أحياء.

آه يا سيدتي. كم من بهجة أنالها لو أنني غمرتك بدماء قلبي لتنظيف جروحك. لعلني أقدر علي إيقاظ أولادك من سباتهم، وتطهير أرواحهم، وفتح قلوبهم. لعلنا نقدر علي مقاومة نزعاتهم الدنيئة للتضحية بك.
لكن من أكون لأفعل كل ذلك وأنا ابنة لبلد آخر بعيد عنك لا تملك سوى حبها لك. فمنذ زمن بعيد وأنا عاشقة لك، وقلبي ملكك. فعبر آلاف السنين كنت قوية ومزدهرة تشعين الضياء وتمنحين الحب والعطاء للجميع. من لا يعرف أولادك البررة بك في تلك الحقب. أولادك الذين تألقوا بحبهم لك وبسعيهم المتواصل للمعرفة والعلم والفن والثقافة.

وعبر الزمن بقيت، وخاب مسعى كل الغزاة لأراضيك، والفاتحين لمدنك للسيطرة عليك. وفشلوا في أن تهيمن ثقافتهم أو عرقهم أو لونهم عليك. وباقتدار ومهابة وقوة عبرت كل تلك المحن، فأنت محبة لكل الأطفال حتى لو لم كانوا غرباء عنك. ويا لقسوة الأقدار، فالذي يحاول إسقاطك هذه المرة وافتراسك مثل ضبع لئيم هو أحد أولادك الذي وهبتيه الحياة رغم عنائك وتعبك.

كاتبة هذه السطور ماريا باير – نمساوية . يمتلأ قلبي بالاهتمام وبحب تلك السيدة العجوز والرائعة مصر. لن أتوقف عن حبها أو عن النضال من أجل نبلها وكرامتها .