الأحد، مارس ٢١، ٢٠١٠

4 - أيام طويلة ...

.
ذهبت مرة أخري لمقابلة جراح العظام. أخبرته بما حدث. كنت قد أخبرته سابقاً بأنني سأذهب لمقابلة جراح الأعصاب. والحقيقة أنني أسعي لأكبر قدر من الصدق والوضوح عند عرض حالتي لأي طبيب، فلا أخفي عليه "تشخيص" غيره لحالتي ولا نوع الأدوية التي أوصي بها، ولا قراره الذي توصل إليه. بطبيعة الحال أذكر كل ذلك للطبيب بعدما أترك له الفرصة الكافية لأن يفحص بطريقته ويدرس التحاليل والأشعات التي معي بالشكل الذي يريحه، وبعدما يقرر أيضاً ويصرح برأيه. ربما كان سبب ذلك هو أنني أؤمن بضرورة تبادل المعلومات وتوفيرها بشكل بسيط ودون تعقيدات. واعتقد أن استخدامي لتلك الطريقة – في معظم أموري – سهل لي كثيراً الوصول لحلول سليمة ومهما كانت نوع المشكلة. الأمر الآخر أنني لم أجد خلافاً كبيراً بينهما. فهو أيضاً وصف لي عدة أنواع من الأدوية. كان أهمها حقن "مركبات كالسيوم" وهي حقن مرتفعة السعر وتعمل كما ذكر لي كمسكن للألم. الفارق بينهما أنه ترك لي القرار في إجراء الجراحة وبالشكل الذي وضحته. بينما رفض الآخر مجرد مناقشة فكرة الجراحة.
قال لي بتواضع لا ألمسه كثيراً في معظم الأطباء "لقد ذهبت لواحد من الأطباء يعد أستاذاً لنا، وقراره يجب أن يكون موضع فهم وبحث". ثم أضاف " قلت لك. أننا نقسم المرضي في مثل حالتك لثلاثة مجموعات، وأجزم أنه أعتبرك ضمن المجموعة التي يمكن أن تتعايش مع الألم وتستجيب للعلاج". ثم أضاف "كل مايمكنني نصحك به الآن هو أن تستخدم ما وصفه لك من أدوية، وأيضاً تستخدم نفس الأدوية التي وصفتها لك. وهناك تشابه في الثلاثة أنواع فلا بأس أن تتناول تلك الثلاثة أنواع، ولا تنسي أن واحد منهم مجرد فيتامينات ب". كنت أستمع له بهدوء وتركيز شديدين وتركته يكمل "حاول مع الأدوية الموصوفة لك، علي أن تكررها مرة أخري. ثم لنري ماذا ستكون النتيجة".بالفعل واظبت علي استعمال الأدوية، وشعرت بعد أسبوع تقريباً أن هناك نوع من التحسن في "حدة الألم" وإن كان طفيفا للغاية.
انتابني شعور بالتفاؤل وقررت استمرار تناول الأدوية بانتظام ثم تكرارها لعشرة أيام أخري كما أوصي كل من جراح العظام وجراح الأعصاب.. ومع ذلك ظل الألم كما هو. صحيح أن حدته قلت بعض الشيء. وبنسبة قليلة للغاية. لكن الباقي منه كان كافياً أن يعكر مزاجي ويشعرني بنوع من عدم الاتزان ولا المقدرة علي التفكير ولا عمل أي شيء بما في ذلك حمل زجاجة ماء من المطبخ لغرفة نومي. وأسوأ ما في الأمر هو حالة الإكتئاب التي لصقت بي بحيث كان النوم هو العلاج والمسكن. لكن كيف أستطيع النوم دون استعمال ما يحذرني الأطباء منه "الأقراص المهدئة وحقن المورفين".
لا يستطيع أي فرد أن يتحدث - وهو يتألم - عما يشعر به من ألم بشكل دقيق، ولا أن يصفه بكلمات واضحة أو يصف تأثيره عليه. ربما أمكنه أن بتحدث عن كل ذلك وبشكل مقتضب بعدما يفيق من نوبات الألم التي تهاجمه. دعك من تأثير كل ذلك من وصف علي الزوار والأصدقاء. الكثير منهم لا يستطيع أن يشعر بما تكابده أو تتحمله. والأدهى أن ينصحك البعض – بجدية العارفين - بتناول قرص أسبرين وأخذ حمام ساخن ثم المشي قليلاً في الهواء الطلق. من أجل ذلك فلي مقولة بأنه لا يشعر بالألم إلا من يكابده.
هل ينقصنا - وبشكل جماعي - أن "نحس" "ونقدر" آلام الغير؟!. أعتقد ذلك. ولعل عكس ذلك كان أحد انطباعاتي في عدة حوادث كنت طرفاً فيها أو شاهداً عليها خلال زياراتي لأوربا. الفارق كبير للغاية بيننا وبينهم. كنت أشعر – هناك - أن مجرد أن يصرح إنساناً ما بأنه يتألم، وبغض النظر عن جنسيته وهل هو أحد مواطنين الدولة، أو مجرد زائر أو عابر أو مقيم أو تحت أي مسمي آخر، وبغض النظر – طبعاً – عن دينه أو مذهبه أو عرقه أو لون بشرته أو أي شيء آخر. مجرد التصريح - وليس التأوه والأنين والبكاء كما نفعل - يقلب الدنيا ولا يقعدها إلا بعد أن يريحون هذا الإنسان من نهش الألم لجسده ونفسه وروحه. وهم يستخدمون – وبكرم زائد – كل أنواع الرعاية الطبية وكل الوسائل المتاحة، ويسعون بجدية ومثابرة لعلاج وشفاء هذا الإنسان، فضلاً عن المعاملة الراقية والتحدث معه بأدب متناه إضافة لكثير من اللمسات الحانية ولعل هذا هو المهم.
أشعر أنني أثقلت عليكم وعلي أيضاً. أرجو المعذرة.
.
يتبع ...
.

الجمعة، مارس ١٩، ٢٠١٠

3 - أيام طويلة ...

.
ذهبت لزيارة جراح شهير للمخ والأعصاب. تقع عيادته بوسط البلد كما نقول بالقاهرة. بأول شارع فؤاد أو شارع 26 يوليو يمين مبني دار القضاء العالي الشهير والذي يظهر كثيراً بالأفلام وبجوار المقهى الشهير " الأمريكين". اتفقت مع زوجتي أن نتقابل بهذا المقهى قبل موعدي مع الطبيب بفترة كافية. في الحقيقة كانت فرصة طيبة أن أدعوها لتناول الشاي أو القهوة ونحن نتبادل الحديث.
"يعد وسط البلد" من الأماكن الجميلة التي كنت أحب المشي بشوارعها لمدة طويلة – أثناء دراستي بالجامعة وبعد تخرجي بسنوات قليلة – ثم الجلوس بأحد المقاهي الصغيرة لشرب فنجان قهوة أو كوب شاي. لم أكن أشعر بالملل خلال تسكعي الذي يستغرق عدة ساعات وأنا أشاهد الأزياء المعروضة بفاترينات المحلات الكثيرة، وقراءة أسماء الكتب والمجلات والجرائد وعناوين أحدث الإصدارات والمفروشة فوق الشارع بتناسق جميل أمام "أكشاك بيع الجرائد". ثم مواصلة المشي "لسور الأزبكية" العامر بأنواع كثيرة من الكتب والتي تباع بأسعار زهيدة، وعلي مرمي حجر منه يقع المسرح القومي. كننت حريصاً للتعرف علي أسماء الفنانين المشاركين في آخر مسرحية، ثم التفكير العميق في كيفية توفير ثمن تذكرة دخول لذلك المسرح الرائع، والذي أتحفنا علي مدار تاريخه بأعمال مسرحية رائعة من تأليف وإخراج أساتذة كبار في فن المسرح.
كنت أجد متعة أيضاً في الوقوف للحظات، لقراءة ومشاهدة " أفيشات الأفلام الحديثة " بدور السينما العديدة. وبطبيعة الحال كنت أحب الوقوف أمام فاترينات محلات بيع "الخمور والمشروبات الروحية" والتعرف علي الكثير من أصنافها. يعجبني طريقة عرض زجاجات الكونياك والزبيب والويسكي والشمبانيا.
هناك علي ناصية فؤاد وطلعت حرب مجموعة من الأكشاك الجميلة الخاصة ببيع السجائر ودخان البايب وشرائط الموسيقي والأغاني. كنت أحب التعرف علي الأصناف العديدة من "دخان البايب" وشراء كيس دخان لاستعماله. كنت استمتع - في هذا الوقت – بتدخين البايب والذي انقطعت عنه وعدت لتدخين السجائر لأسباب عملية. فهو يحتاج لحيز كبير له ولكيس الدخان إضافة "لمعدات" تنظيفه والتي كنت أحافظ عيها لحد الهوس. وبطبيعة الحال كنت أعشق مشاهدة " الناس خاصة النسوة الجميلات" واللاتي يتسكعن أو المشغولات بشراء حاجاتهن.
مع الوقت قلت زياراتي "لوسط البلد" لحد كبير ومخجل بحيث أصبح ذهابي يعد علي الأصابع خلال السنوات الأخيرة. ربما يعود ذلك لسكني بمنطقة بعيدة والأهم انشغالي بأمور كثيرة أخري. ومع ذلك فحنيني للتسكع بتلك الأماكن يظل مؤثراً بحيث أمارس بعضاً من طقوسي السابقة كلما سنحت لي الفرصة حتى لو كان موعداً مع جراح المخ والأعصاب.
ولأنني لا أستطيع السير لمسافات طويلة مثلما كان يحدث فقد فضلت التجول بين أكشاك بيع السجائر والدخان. ودون جدوى لم أستطع العثور علي دخان سجائر " لف" مستورد أو محلي، ولا حتى سجائر مستوردة. قال لي أحد أصحاب تلك الأكشاك أن القانون يحرم بيع تلك الأشياء، وأن مايتم بيعه – إن وجد – يعد مهرباً علماً بأنه يباع لأصحاب تلك الأكشاك بواسطة القادمين من الخارج أو رواد الأسواق الحرة، كما أن معظم السجائر المستوردة تصنع بمصر حالياً. هنا فطنت أنه ينظر إلي بريبة وتوجس وربما ساورته الشكوك بأنني موظف بالجمارك أو الضرائب. أجبته بأنه يبدو أن الحكومة تفضل أن ندخن "زبالة" مطبوع عليها أسماء ماركات أجنبية. ارتاح لإجابتي وارتاح لي شخصياً ووجدته يناولني علبة سجائر أمريكية لكن شكلها كان غريباً. كنت متلهفاً لتدخين سيجارة جيدة، ففتحت العلبة وسحبت واحدة وأشعلتها. قال البائع ستعجبك. يمكنك شراء العلبة الثانية فليس لدي سوي علبتان. المهم ما رأيك فيها.؟ أجبته "زبالة أيضاً، لكنها هذه المرة زبالة أمريكية".
أتت زوجتي في موعدها وفضلت تناول كوب من الشاي مع قطعة "جاتوه مغطاة بطبقة كثيفة من الشيكولاتا"، وفضلت طلب فنجان قهوة "زيادة". وحين سألني "الجرسون" "عاده أم دوبل" رددت عليه باَلية " دوبل من فضلك". فوجئت بسؤال آخر "غامق ولا فاتح" وبنفس الآلية أجبته "فاتح". والحقيقة أنه كان كوباً رائعاً من القهوة. ساهم في زيادة الإحساس بالألفة بالمكان وبالجالسين به. أماكن بسيطة وليست بالضرورة أن تكون فخمة تجعلك تحس بسحر اللحظة وجمالها والتمتع بالجلوس والحديث مع زوجتي لتمضية وقت لا يجده معظم المتزوجون مع زوجاتهم.
صعدنا لعيادة جراح المخ والأعصاب الشهير. وهو أستاذ جامعي وتربطني به علاقة معرفة سابقة. فهو أول جراح يجري لي منذ مايزيد علي الخمس عشرة سنة عملية إزالة لغضروف بالفقرة القطنية الرابعة والخامسة. كان وقتها شاباً ولفت انتباهي إليه أنه كان قليل الكلام، ومع ذلك فكلامه – إذا أحسنت الاستماع – يبوح بالحكمة والمعرفة العميقة. يعجبني هذا الطراز من الأطباء، ولعل هذا هو السبب كما أردد دائماً بأن تسمية الطبيب بالحكيم تسمية لها دلالتها ومعناها. لكنها لا تنطبق – التسمية – إلا علي نوعية قليلة من الأطباء. كان أول جراح يكتشف أنه لابد من عملية جراحية ليس بسبب الغضروف فقط بل بسبب الضيق في مجري "النخاع الشوكي وهو عيب خلقي تظهر أثاره المؤلمة مع تقدم العمر.
قلت له مبتسماً "كبرنا يادكتور، لكنك لا تزال وسيماً". أجابني مجاملاً "تظهر أقل في العمر مني رغم أننا مواليد نفس السنة، وتبدو أكثر وسامة". والحقيقة أنه من الأطباء الذين يحافظون علي وسامتهم بجانب مزاياه المهنية.
فحص بهدوء وصمت جميع الأشعات التي معي ثم طلب مني التمدد فوق سرير الفحص. أجري لي الفحص السريري المطلوب مع سؤالي عن أماكن الألم وشكله. ثم قال "رغم الألم فالحالة ليست بالخطيرة ويمكن التعامل معها بالأدوية لكن عليك أن تنقص من وزنك، مع بعض جلسات العلاج الطبيعي لكن بعد التأكد من زوال الالتهابات الموجودة".
قلت له أن الآلام مبرحة ولم أعد قادراً علي تحملها. ولو كان يري التدخل الجراحي علاجاً لحالتي فليس لدي مانع". قال "لا أري ضرورة لذلك ولا أنصح بأي نوع من الجراحات لحالتك" . قلت له "كنت أهرب منك في الجراحة الأولي". أجابني " وهذا دوري لأهرب منك في الثانية".
كنت علي يقين أنه لن يزيد في الشرح أو التفصيل وأنه قال كل ماعنده واتخذ قراره بالنسبة لحالتي. غادرت العيادة، ومعنوياتي مرتفعة بعض الشيء، رغم شعوري ببدء تسلل الألم لجسدي كله فور مغادرتي للمكان، كان بداخلي شعور بعدم تصديقه والميل لتصديق جراح العظام الذي يري أن الجراحة هي العلاج المؤكد بفتح ظهري لإزالة التليفات وتوسيع القنوات وتثبيت الفقرات ببضعة مسامير.
وخلال الأيام القليلة التالية ورغم مواظبتي علي تناول الأدوية الباسطة للعضلات والإبر المسكنة التي وصفها لي جراح الأعصاب وهناك دواء ثالث لم أعد بقادر علي تذكره، فقد أصابتني الحيرة الشديدة والإحباط والحزن. تزايد هجوم الألم بضراوة شديدة لدرجة أن المسكنات المألوفة لم تعد تجدي نفعاً أو تأثيراً في تخفيف تلك الآلام. وأخذت أبحث عن مسكنات أشد وأقوي وهي في الحقيقة مسكنات مخدرة "مورفينات" لاتصرف ولا تباع بسهولة في الصيدليات لكن صديق صيدلي تكفل بتوفيرها لي بعدما علم بحالتي.


يتبع ...
.

الخميس، مارس ١٨، ٢٠١٠

2 - أيام طويلة ...

.
أعاني منذ مدة طويلة – لعلها تزيد عن الثمانية أشهر - آلام مبرحة بظهري وكامل رجلي اليسرى وصولاً لقدمي وبدرجة أقل باليمني. لجأت إلي جراح عظام متخصص في جراحات العمود الفقري. طلب مني العديد من الأشعات العادية، وكلما عرضتها عليه كان يفحصها متمتماً " هايل، حاجه عظيمة " والحقيقة أنني لم أكن أدري ماهو الشيء العظيم أو الهائل في كل ذلك؟!!
علي كل كان بعد ترديده لتلك الكلمات يطلب مني عمل المزيد من الأشعات المتقدمة. أخرها أشعة مقطعية، أعقبتها أشعة "رنين مغناطيسي" لمنطقة الفقرات القطنية.
ومع ذلك، أفرح كثيراً حين أجد العلم يكرس تطبيقاته بشكل عملي لخدمة البشر متمثلاً في تلك الأجهزة الطبية المتقدمة والتي تساعد الأطباء في التشخيص السليم واتخاذ القرار المناسب. قلت لنفسي " لعل تلك الأجهزة هي الشئ الوحيد الهائل والعظيم ، وربما كان الطبيب يقصد ذلك".!!
شرح لي الجراح الموقف بالتفصيل. هناك غضروفان "صغيران" بالفقرة الثالثة والرابعة وآخر بالفقرة العجزية الأولي. والمشكلة الرئيسية تكمن في كثرة " التليفات" بالفقرات الثالثة والرابعة والرابعة والخامسة وأيضاً بأول فقرة عجزية. وأجمل رأيه بأن التدخل الجراحي - لمثل حالتي - يعود لمدي تحمل المريض والتعايش مع الألم. فهناك فئة من المرضي يستطيعون "التعايش مع الألم والتكيف معه" وبدون أي مساعدة. وهناك فئة أخري يستطيعون أيضاً التعايش والتكيف لكن بمساعدة الأدوية خاصة المسكنة للألم. وهناك فئة ثالثة لا تستطيع تحمل الألم ولا التعايش بمساعدة الأدوية خاصة لفترات طويلة. ويبدو أنني كنت ضمن الفئة الثالثة.
ربما كان موقفي واقتناعي الشخصي أن الإنسان يجب أن يعيش معافياً ودون أن يصاحب تلك "العيشة" أي نوع من الألم. وأشعر بالدهشة الشديدة من أي شخص يقاوم بإصرار وعناد مايشعر به من آلام نتيجة لأي سبب حتى لو كان صداعاً خفيفاً، ويكتفي بالقول أنه لا يحبذ استعمال أي نوع من الدواء حتى لو كان قرص أسبرين. كما أنني أتناول كمية كبيرة من الأدوية خلال اليوم لارتفاع ضغط الدم وأخري للقلب، ويقيني أنها تكفيني دون الحاجة لإضافة المزيد من الأدوية.
قلت له كل ذلك، وأضفت أنني أفضل الجراحة إذا كانت ستساعد في زوال أي ألم وأنها ستعفيني من استعمال كمية كبيرة مضافة لقائمة الأدوية الأخرى التي أستعملها.
ذكر لي أن العملية الجراحية لن تكون سهلة، فعليه أن يتعامل مع أربع فقرات لإزالة التليفات والغضاريف الظاهرة رغم صغرها، "فمادام قد فتح وظهر له كل شيء فعليه عمل اللازم تجاهها". ثم عليه أن يثبت ثلاث من تلك الفقرات بواسطة مسامير خاصة. كان يتحدث بحرفية كبيرة ذكرتني بميكانيكي السيارة الشاطر وحين قلت له أن الأمر أشبه بذلك قال ضاحكاً هو كذلك بالفعل. ثم أضاف بأن جراح العظام يتعامل مع العمود الفقري باعتباره جهاز حركي وعلي الجراح أن يراعي الكثير لضبط الحركة والتناسق للفقرات وقدرة العمود علي العمل والتحمل بشكل طبيعي أو قريب من الطبيعي. ويختلف هذا المفهوم في ذلك النوع من الجراحات عن مفهوم جراح المخ والأعصاب الذي يركز كل اهتمامه لسلامة الأعصاب والحبل الشوكي عند إزالة التليفات أو الغضاريف.
قيل أن أقدم علي أي جراحة، أذهب لكثير من أطباء الاختصاص، واستمع لرأي ثلاثة علي الأقل. ثم علي أن أقرر من سيجري لي منهم الجراحة المطلوبة. وبعد أن أدرس التكلفة اللازمة بما في ذلك إقامتي بالمستشفي، أتوكل علي الله وأتفق مع الطبيب علي تحديد اليوم الذي أذهب فيه للمستشفي.
قررت الذهاب لجراح " مخ وأعصاب" شهير لعرض حالتي عليه لأستمع للرأي الآخر في حالتي.


يتبع ...
.

الثلاثاء، مارس ١٦، ٢٠١٠

1 - أيام طويلة ...

.
القاهرة. العاشرة من صباح الأربعاء 24/2/2010
.
بدا الأمر لي وكأنني مدعو للمساهمة بمؤتمر ثقافي أو سياسي. كان علي أن أقضي الليلة السابقة بالغرفة المحجوزة لي منذ ليلة الأمس. غرفة واسعة وهادئة وجميلة والإضاءة بها خافتة، وهناك بأحد أركانها سرير صغير مرتب، يبعث ماعليه من فراش الإحساس بالدفء في ليلة باردة للغاية كالتي قدمت فيها. بنهاية الغرفة حمام صغير، ويفتح بابها علي ممر طويل يشكل امتداداً طبيعياً لمساحة الغرفة. الحضور كثيرون، رجالاً ونساءً. معظمهم واقف يتبادلون الحديث فيما بينهم، والبعض جلوس بالغرفة ينظرون إلي وهم يبتسمون. كان هناك شاباً له لحية طويلة للغاية. هو أقرب في الشبه "لطارق" ابن شقيقتي التي تصغرني وهو أيضاً يشبه لحد كبير واحد من نواب البرلمان الملتحيين. شعرت بالإرهاق والدوار وأنا أعتصر ذاكرتي من يكون علي وجه اليقين.
شعرت بالغضب الشديد من زوجتي وأبني. كيف أدعو لمثل هذا الحفل أو المؤتمر وأنا أرتدي ملابس المنزل، يفترض بهم أن يجعلوني أرتدي ملابس لائقة.
لم تكن لدي القدرة علي مشاركة الحضور أي نوع من الحوار وبذلت جهداً كبيراً – دون جدوى - في الاستماع لما يقولون. لم أكن بقادر علي الاستماع إليهم أيضاً. كانوا بالنسبة لي مجرد شفاه تتحرك وأجساد واقفة تتمايل. يبدو أنهم كانوا يتحدثون عن الشعب ومشاكله، وينظرون إلي بين وقت وآخر ولديهم الإصرار أن أشاركهم الحديث.
كنت أعاني من مشكلة في التبول. كان علي الدخول للحمام كل خمس دقائق تقريباً وأنا أستند علي كتفي أبني وابن شقيقتي كلما مشيت لدخول الحمام أو الخروج منه. بالكاد كنت أمشي في رحلة الذهاب والإياب لأصل إلي سريري الموضوع بنهاية الغرفة، لأعاود النظر لضيوف المؤتمر دون أية قدرة علي الرد عليهم أو الاستماع لما يقولون.
قلت لنفسي لأكن ممثلاً عن الشعب الذي يتحدثون عنه. الشعب مريض وبحاجة لنوع من الرعاية والفهم والعلاج. أغرق في نوم من نوع غريب، فلا أنا بالنائم ولا بالمستيقظ. التف حول سريري الكثير من الضيوف. كنت أقاوم ذاكرتي لأتذكرهم. لم أستطع تذكر أحدهم. زوجتي تلح علي أن أجيبها هل يستدعون لي طبيب قلب متخصص أم نغادر المكان لآخر. كنت متفائلاً بتكملة الليلة والمشاركة في الحوار عن الشعب ومشاكله، ربما استطاع الطبيب أن ينقذ مايمكن إنقاذه، ويجعلني استعيد حيويتي للوقوف ثانية والانتباه لما أقول ويقولون. أشرت لزوجتي بضعف شديد باستدعاء الطبيب.
كنت أعتقد أنني استيقظت من نومي - الليلة السابقة - وكل ماكان يحدث حولي حدث أثناء الليل. ولم أستوعب أنه صباح يوم جديد وأنه سيمر علي – هذا اليوم - طويلاً وصعباً ، لا يعترف بي ولا أعترف به كواحد من أيام عمري، حاله حال بضعة أيام سبقته وأخري ستأتي بلا شك. ومع تداعي أفكاري رحت في غيبوبة عميقة لم أفق منها إلا ليلاً.
.
يتبع ...
.
..

الثلاثاء، أكتوبر ١٣، ٢٠٠٩

حجاب المرأة بين التشريع القرآني وفساد التأويل ..

هل شرع الله زياً خاصاً للمرأة ...

سيظل هذا الموضوع ضمن الموضوعات القابلة للنقاش مرات كثيرة ومعادة . ناقشناه بنغم أكثر من مرة. ولعل المرة الهامة – من وجهة نظري – كانت مناقشته بشكل جزئي بالموضوع الهام الذي أثرته منذ فترة طويلة تحت عنوان " حقوق المرأة بالسعودية .. ويغض النظر عما توصلنا إليه من نتائج بهذا الموضوع فقد رأيت أن إعادة مناقشته بشكل مستقل ستكون له الفائدة الكبيرة خاصة بعدما نشرت موضوعاً نسب للشيخ محمد عبده بعنوان : ليس في الشريعة نص يوجب الحجاب. وإن كنت أري – كما يري زميلي وصديقي ابن الأرز - أن العنوان الذي يفي بالمقال حقه هو: "ليس في الشريعة نص يوجب النقاب" . فالحديث كله يدور حول أهمية إظهار وجه المرأة، وأنه ليس هناك ما ينهي عن ذلك في القراًن. وتلك وظيفة النقاب وليست وظيفة للحجاب بطبيعة الحال، وهو الزى الذي ارتضاه المشرع المسلم "الرجل" للمرأة لتغطية رأسها.
وعلي كل حال ورغم نشري للموضوع والإشارة إليه كموضوع منقول كان يهدف بالدرجة الأولي الاستفادة منه بالقراءة والتعرف علي أفكار شيخنا محمد عبده باعتباره مفكراً ومصلحاً ومجدداً حاول أن ينير العقول ويتقدم للأمام عدة خطوات عبر رحلة الزمان " الواقف " بجمود وشموخ وعناد في بلداننا. وكفا شيخنا - من كل محاولاته - شرف المحاولة وشرف حمل مصباح التنوير، دون أن يحدث أي شئ منهما عبر المكان أو الزمان أو العقول والنفوس. بل ربما تحركت الأمور والأصح أنها جامدة في مكانها أو في محاورها الثلاثة أو الأربعة بوتيرة تخلف متصاعدة وأشد هولاً عن أيامه هو نفسه.
وما سأفعله هو محاولة أشد تواضعاً مما دعا إليه الشيخ محمد عبده ولعلها بالنتيجة ستكون أشد تأثيراً في اتهامنا بما ليس فينا وبما هو أشد قتامة في عدم الفهم المتعمد وحرب مستعرة لدعوات مماثلة للشيخ وآخرين بعده سبقونا إلي الدعوة والكتابة والاكتفاء بشرف المحاولة.
وعلي كل فكل ذلك أفضل من الرجوع بذراع مكسور أو ضلوع محطمة أو ساق لا تقو علي حمل صاحبها لمدة طويلة. وكل ذلك مجرد رسائل بليغة لمن يفهم ويتعظ ويقدر بأن المرة القادمة سيكون أوان القطع والبتر لتلك الأعضاء وللسان صاحبها قد جاء.
ويبدو أنه نوع من الإنصاف - الغير عادل وغير مقبول - أن تكسر الأقلام قبل الضلوع والأذرع والأرجل. وياله من كرم زائد أن تكون المقدمات " في التكسير والبتر والإيذاء " تسبق ما هو أشد وأنكي. اليس كل ذلك بمقياس الكرم الحاتمي ومقاييس الحكمة والموعظة الحسنة والاستتابة أفضل ألف مرة مما كان يحدث في عصور الظلمة بأوربا ، حيث كان هناك حرق الأحياء من المفكرين والعلماء وحيث كانت صكوك الغفران ووعد بمكان في الجنة مقابل الصمت والدفع.
ألا يشكل ذلك فارقاً بيننا وبينهم يضعنا في مصاف " الأحسن والأقوم والأرفع منزلة " أم أن كل الحكاية هي دورة من عمر الزمان يسود فيها التخلف إلي حين فيزداد قسوة وهمجية، وتتصاعد وتيرة القتل والتخريب بحجة الحفاظ علي الدين والحفاظ علي ثوابت لاتمت للدين بصلة من بعيد أو قريب، بقدر ماهي ثمرة تأويلهم الفاسد والقاصر والعاجز والجاهل.
أراهن علي الوقت وتأثيره في كافة مناحي الحياة والفكر. ليس بشكله المجرد الصامت والعاجز بقدر ماهو عامل هام وحيوي لابد له أن يتحرك للأمام بما يحمله من إرهاصات ومعاناة وتطلعات للأفضل بداخله.
معذرة لكم ومعذرة لشيخنا الجليل محمد عبده. ولنبدأ علي بركة الله ..
....
1 – غطاء الرأس أو الحجاب .

1- معني الحجاب في اللغة العربية .

حجب (لسان العرب)
الحِجابُ: السِّتْرُ. حَجَبَ الشيءَ يَحْجُبُه حَجْباً وحِجاباً وحَجَّبَه: سَترَه. وقد احْتَجَبَ وتحَجَّبَ إِذا اكْتنَّ من وراءِ حِجابٍ. وامرأَة مَحْجُوبةٌ: قد سُتِرَتْ بِسِترٍ. وحِجابُ الجَوْفِ: ما يَحْجُبُ بين الفؤَادِ وسائره؛ قال الأَزهريّ: هي جِلْدة بَين الفؤَادِ وسائر البَطْن. والحاجِبُ: البَوَّابُ، صِفةٌ غالِبةٌ، وجمعه حَجَبةٌ وحُجَّابٌ، وخُطَّتُه الحِجابةُ.
وحَجَبَه أَي مَنَعَه عن الدخول. وفي الحديث: قالت بنُو قُصَيٍّ: فينا الحِجابةُ، يعنون حِجابةَ الكَعْبةِ، وهي سِدانَتُها، وتَولِّي حِفْظِها، وهم الذين بأَيديهم مَفاتِيحُها.والحَجابُ اسمُ ما احْتُجِبَ به، وكلُّ ما حالَ بين شيئين: حِجابٌ، والجمع حُجُبٌ لا غير.
وقوله تعالى: ومِن بَيْننا وبَيْنِك حِجابٌ، معناه: ومن بينِنا وبينِك حاجِزٌ في النِّحْلَةِ والدِّين؛ وهو مثل قوله تعالى: قُلوبُنا في أَكِنَّةٍ، إِلاَّ أَنَّ معنى هذا: أَنـَّا لا نُوافِقُك في مذهب.
والحاجِبانِ: العَظْمانِ اللَّذانِ فوقَ العَيْنَينِ بِلَحْمِهما وشَعَرهِما، صِفةٌ غالِبةٌ، والجمع حَواجِبُ؛ وقيل: الحاجِبُ الشعَرُ النابِتُ على العَظْم، سُمِّي بذلك لأَنه يَحْجُب عن العين شُعاع الشمس. قال اللحياني: هو مُذكَّر لا غيرُ، وحكى: إِنه لَمُزَجَّجُ الحَواجِبِ، كأَنهم جعلوا كل جزءٍ منه حاجِباً

2 - كلمة الحجاب في القراَن الكريم ..
1 - وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً [الإسراء : 45]
2 - وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف : 46]
3 - وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً [الإسراء : 45]
4 - فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً [مريم : 17]
5 - وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5]
6 - فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [صـ : 32]
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى : 51]
7 - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب : 53]
...
يتفق القراَن الكريم في معني الحجاب بنفس المعني المقصود بدلاله الكلمة اللغوية. فالحجاب يعني الساتر أو الحاجز بين منطقتين " مكانياً ". والكلمة تؤدي نفس الوظيفة إذا ما استخدمت للتفريق أو الفصل بين "الأفكار والمعتقدات". وكمثال تطبيقي شائع الاستخدام، استخدامنا لكلمة الحجاب الحاجز . ورغم أن الكلمة تعد اسماً طبياً لجزء من أجزاء الجسد الداخلية إلا أنه يحمل دلالته ووظيفته بأنه " حاجز " يحجز بين منطقتين حيث يعرف الحجاب الحاجز بأنه عبارة عن حاجز عضلي يفصل بين القفص الصدري و التجويف البطنى.

يستند كثير من المفسرين لشرعية الحجاب بالآية السابعة والتي يمكن فهمها بشكل أفضل بالقراءة عند ترتيبها حسب المعاني الواردة بها وعلي الشكل التالي:
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ
- وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا
- فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ
- وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
- وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً
- إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب : 53]

ويلزم الأمر أن نستعرض سبب أو أسباب نزول تلك الاَية :
قال عمر بن الخطاب للنبي (ص) "يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يتحجبن يعني أن لا يحاورن الرجال مباشرة بل من خلال حجاب يفصل بينهم. فنزلت الآية". " منقول"
....

الآية – بالنص - حكمها قاصر علي نساء النبي والأمر فيها قادم مباشرة من الله . ويلاحظ أن الله لم يأمر نساء النبي بارتداء الحجاب، بل طالب الرجال أن يكون حديثهم معهن أو سؤالهم لهن " من وراء ساتر ". لا حظ كلمة " من وراء " وما تعنيه من معني. وكلمة من وراء حجاب لا تعني إطلاقا اللباس أو الحجاب الذي نعرفه والذي تضعه المرأة فوق رأسها.
والآية تضع ضوابط للتأدب – خلافاً لعرف جاهلي كان سائداً - حين الدخول لمنزل الرسول، وتنظم العلاقة في كيفية التعامل مع نساء النبي. فالآية تتحدث عن وجوب وجود ساتر ( حجاب ) يفصل بين نساء النبي ومن يحدثهم من الرجال. "وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذالكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً". فالآية تشرع بعدم الزواج من زوجات النبي بعده. وغني عن البيان أن هذا التشريع أرتبط بفترة زمنية مضت وولت.
ومع ذلك تظل الآية مرجعاً لضوابط التأدب حين دخول رجل غريب لمنزل أحد أصدقائه مثلاً والحديث مع النساء المتواجدات. فكلنا يعلم أن للمنازل حرماتها، وأن النساء داخل منازلهن لهن الحق في تمضية وقتهن - بما في ذلك ارتداء ما يرونه مريحاً لهن خاصة للمناطق الحارة وحيث لا توجد أجهزة تبريد أو تكييف للهواء مما يجعل النساء يخففن من ملابسهن إلي درجات كبيرة.
وليس لأحد الحق أن يتعقبهن داخل منازلهن بالأمر والنهي ولبس الحجاب أو النقاب تحوطاً لهجوم سافر من رجل تنقصه الكياسة والتأدب. بل الأقرب للواقع والأصح أن يكون الحوار مع الرجال في تلك الحالة " من وراء حجاب " حفاظاً علي الوضع " الخاص " الذي قد توجد المرأة فيه وقتها واحتراماً لخصوصيتها.

ولعل هذا الفهم يكون كافياً لتوضيح عدة أمور أراها علي قدر كبير من الأهمية :
1 – ليس هناك تشريع - بنص الآية - يلزم المرأة بتغطية رأسها. أو يلزم الرجل بإجبار المرأة علي تغطية رأسها.
2 – الآية في مضمونها الصريح وما تبوح به كلماتها هي دعوة للتأدب عند الحديث مع امرأة داخل بيتها واحترام خصوصيتها . لاحظ أن الدعوة للحديث " من وراء حجاب " هي للرجل وليست للمرأة. وبمعني أكثر تحديداً فالرجل هو المطالب بالبحث عن أنسب ساتر أو حجاب يتيح له الحديث – من وراءه - بأدب واحترام مع المرأة .
3 – ومادام الحديث يتناول أمراً له علاقة بالأدب واحترام الخصوصية، فلا يمكن لعاقل أن يتهمني بأنني أدعو لتبرج المرأة أو أنها دعوة للتعري إلي آخر ما يقال من اتهامات باطلة ومنحرفة في مثل هذا الأمر.
4 – تلك الآية شأنها شأن باقي الآيات التي طالها فساد الفهم والتأويل والإفتاء لا تتحدث من قريب أو بعيد عن أي نوع من الأزياء لا للرجل ولا للمرأة.
5 – لم أشأ التحدث عن الحديث النبوي: قال صلى الله عليه وآله وسلّم: "يا أسماء ، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه" - رواه أبو داود - صدق رسول الله.
فالحديث أحادي المصدر كما وأنه روي بطريقتين مختلفتين مما يجعلنا في حرج من قبوله كحديث صحيح يأول لغير ما دعا إليه الله.
ورغم أن هذا الحديث يعطي شرعية للمرأة أن تظهر وجهها خلافاً للفهم السائد ولما هو معمول به، ومع ذلك يبدو الأمر غريباً أن يفهم من هذا الحديث أنه حظر لظهور شعر المرأة. ودعنا نقل أن الأصح أن هذا الحديث ُأول لحظر ظهور منطقة (الرأس) للمرأة ؟!! مع أن الحديث يذكر أن الرسول (صلعم) أشار إلي وجهه وهي إشارة تعني منطقة الرأس بأكملها، فالوجه كما هو معروف جزء من الرأس. ولو كان يعني بإشارته تلك الوجه فقط لمسح وجهه بكفه، ولم يكن هناك داع لأن يشير لوجهه. ولتغيرت كلمات الحديث بطبيعة الحال. ثم يأتي من يحظر أيضاً بالمخالفة للقراَن وبالمخالفة لهذا الحديث ليطالب بحظر ظهور وجه المرأة أيضاً؟!! بحيث تكون النهاية اختفاء كامل لأداة التعرف علي المرأة. يبدو أن هذا هو المطلوب.
6 – يتبقى أن أقول أن استخدام المرأة للحجاب أو عدم استخدامه هو أمر يعود للمرأة نفسها وفق تقديرها لأمور كثيرة ليس من بينها مخالفة الشرع والدين، وبما يمليه عليها فهمها لتلك الأمور، وليس فهم " المشرع الرجل " الذي ارتكب خطيئة الفهم عن قصد وعمد لآيات القراًن مما أوقعه في محظور " فساد التأويل " لنفي جنس المرأة بحجب أداة التعرف لكينونتها وشخصيتها وحضورها بتشريع فاسد وباطل بحجب أداة التعرف عليها " الوجه " وصولاً لسلب الكثير من حقوقها الأصيلة دنيوية أو دينية .
.....
سأحاول الاقتراب بهدوء وفهم من باقي تلك الآيات والتي شابها قصور الفهم وفساد التأويل.
تتبقي نقطة أخيرة: لماذا كل هذا الإصرار علي التأويل الفاسد والخاطئ لاَية الحجاب حتى أنهم يضعونه كأحد الثوابت الدينية متهمين من يخالفهم الرأي والتأويل بالكفر والهرطقة. سأعاود الكتابة في تلك النقطة أيضاً..
...
أستأذنكم في قراءة هذا المقال وهو مكتوب بقلم أحد السلفيين الشباب .
http://knol.google.com/k/حامد-حماد/أم-ور-م-حي-ره/11abermsjx6wk/16#
...

فضلت نشر بعض الردود لمقال الدكتور صالح بن محمد المسند - والذي يحمل نفس عنوان مقالي - بصفحة جديدة ونشر تلك الردود كمقال منفصل . ويمكن الرجوع لتلك الصفحة من خلال الرابط
2 -
حجاب المرأة بين التشريع القراَني وفساد التأويل .بعض الردود لمقال الدكتورصالح ....

..