الأربعاء، يوليو ٠٤، ٢٠٠٧

1 - قراءة الشعر

ليس من السهل أن تعجبني قصيدة ما. وايضا ليس من السهل أن يحوز شاعر أو شاعرة علي حبي لشعره ثم لشخصه. الشعر عندي أرقي درجات الكتابة، فقصيدة جيدة ستجد فيها أنواعا كثيرة من الفنون، ستجد الموسيقي والدراما وصدق الأحاسيس ودفئها ثم التفاعل في المشاعر بين الشاعر وقارئه. لعل كل ذلك يدفعني لحب الشاعر أو الشاعرة .
الشعر الجيد عندي مخلوق كامل من جسد وروح، جسد يتنفس ويحس ويتألم ويهوي وينثر سعادته وضحكاته وأحزانه وهمومه علي قرائه، وروح تحس وتعشق وتطير لسماوات قريبة مرة وبعيدة مرات، لكنها تأخذ بيدنا لنحلق معها ونشاركها متعة الطيران وحلاوة الإنعتاق.
.
لا تستطيع أي نوع من الكتابات الأخرى أن تعطيك كل ذلك، ولن يقدر أي كاتب أن يحقق تلك المعادلة الصعبة في بضعة أسطر. الشاعر الجيد مخلوق وبداخله الكثير من البذور الطيبة التي ما أن تجد الوقت الملائم والتربة الصالحة حتى تبدأ في النمو والازدهار لتطرح ثمرات مباركة وأزهار جميلة، وخضرة، وألوان عديدة، وحب وغضب وشوق وثورة ونداءات أسمعها لحرية الإنسان، وحلم لا يتوقف ولا يموت بنهار مشرق وشمس ساطعة.

من أجل ذلك تحدث القراَن عن الشعراء وتأثيرهم في الناس. وفي بعض البلاد لا يستطيع الساسة أو رجال السلطة أو رجال الدين أن يقتربوا من بعض المشاكل المزمنة حتى يأتي أحد الشعراء ليلقي شعره في الناس لتبدأ بعد ذلك الحلول في الظهور.
وما دمت أتحدث عن مشاعر وأحاسيس وأحلام ورؤى وأحزان وأفراح الشاعر، فعندي ليس أجمل الشعر أكذبه بل أجمل الشعر أصدقه. فالنفس تستطيع بسهولة - ولعل ذلك ضمن أسرار خلقها - أن تميز بين المشاعر الصادقة والكاذبة أو الزائفة.
.
هناك شاعر أقع في حبه منذ القصيدة الأولي، غير أنني أميل للتريث في إعلان حبي وأظل أتابع ما يكتبه من قصائد. وفي الغالب يكون حكمي سليما . من هؤلاء - في منتدانا – احمد رضي وعودة أو شهر زاد كما أحب أن أسميها ومولانا الشيخ . وبالتأكيد لا أعني بالوقوع في حب الشاعر الموافقة علي أفكاره بقدر ما هو نوع من التسليم والاستمتاع بعالمه الذي يخلقه. وهناك شاعر أجد نفسي لا أستطيع قبول قصيدته الأولي، وما يتبع ذلك من عدم قبولي لشخصه أيضا. وبالتأكيد أعطي لنفسي الوقت الكافي أيضا لمتابعة قصائده التالية ربما يتغير قراري.

شاعري المفضل هو الراحل الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي، لكنني أحب أيضا الجواهري والسياب وأعشق صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي ونازك الملائكة وجويده. ونفس الكلام ينطبق علي شعراء العامية الكبار فؤاد حداد والأبنودي وقبلهم وبعدهم يأتي دائما صلاح جاهين.

في هذا الموضوع الذي أحاول أن يكون بشكل ( قراءة لقصيدة أعجبتني )، سأحصر اهتمامي وتركيزي علي ما يكتبه الشعراء القريبين مني، وسأحاول قدر ما يسعفني الوقت والجهد أن أختار بعض القصائد لهم والكتابة عنها. ولعلها تكون الخطوة الأولي باتجاه كتابة نقدية لتلك القصائد وغيرها من الأعمال الفنية.
.........
آخر الكلام ..
قصيدة قصيرة للمبدع الراحل عبد الوهاب البياتي ...

الطريد ...

حلمت
أني هارب طريد
في غابة
في وطن بعيد
تتبعني الذئاب
عبر البراري السود والهضاب
حلمت
والفراق يا "حبيبتي" عذاب
أني بلا وطن
أموت في مدينة مجهولة
أموت
"يا حبيبتي"
وحدي بلا وطن

.......


القاهرة. 29/06/2007
.
.

الأربعاء، يونيو ٢٠، ٢٠٠٧

11 - حكايات الأغاني .. " رق الحبيب "

.
11 - رق الحبيب ( منولوج ) . أحمد رامي - القصبجي - أم كلثوم ...

نحن أمام عمل فني رائع أحب ان أستمتع بكل جزء فيه سواء من الكلمات العذبة أو الموسيقي الجميلة أو الأداء الراقي للسيدة أم كلثوم .أرجو أن تشاركونني متعة تذوق الكلمة واللحن والأداء.
اللحن رائع وسبق عصره بكثير وواضح تأثير الفهم الذكي والتذوق الراقي للموسيقي الغربية. استخدم القصبجي كل براعته ليقدم لحنا أقرب لألحان الأوبرا واستطاع أن يمزج بين صوت أم كلثوم واللحن في بناء فني محكم وعالي الحرفية والجمال.
لا اعتقد أن لدي ما يكفي من كلمات يمكنها أن تعبر عن رقة وعذوبة مشاعر الكاتب وثراء أحاسيسه. الأغنية مكتوبة علي شكل منولوج ويعني انه نوع من الحوار الداخلي للكاتب. وهو شكل من الأشكال الفنية الجميلة خاصة حين تطوع كلماتها للغناء. والأغنية بأكملها تعد رحلة خوف وترقب لليلة بأكملها يقضيها الشاعر وحتي قرب معد لقاء الحبيب . خوف يتصاعد ويزداد، بل وأزعم أنه يتوالد أيضا من خيالات الشاعر ويتكرر علي شكل دائرة مغلقة بإحكام حول خوف الشاعر وتوتره وترقبه وتفكيره المتواصل وحتي هجره لأحبته. دعونا نري الي أين يقودنا الشاعر بتلك المخاوف من لحظة لقاء الحبيب.
.
رق الحبيب وواعدني يوم
وكان له مده غايب عني
حرمت عيني من النوم
لاجل النهار مايطمني
.
تبدأ الكلمات بكلمة (رق) والكلمة لم تستخدم – في حدود علمي – في أية أغاني سابقة لأغنية رق الحبيب. وتأثير الكلمة كاف لتوحي بمدي الحب وعمقه في قلب حبيب وعاشق رق قلب حبيبه عليه وواعده – بعد غياب - علي اللقاء. فراح يحاور نفسه واصفا ليلته التي تسبق اللقاء والمخاوف التي تنتابه، حتى انه حرم عينيه من النوم هذه الليلة منتظرا نهار اللقاء الذي يأمل أن يأتيه بالاطمئنان. مشاعر عاشق صادقة ينتظر طلوع النهار (لاجل) أن يشعر بالاطمئنان النفسي والاتزان الروحي بعد ليلة طويلة قضاها ساهرا يناجي فيها خيال الحبيب.

صعب علي أنام
أحسن أشوف في المنام
غير اللي يتمناه قلبي
سهرت أستناه
واسمع كلامي معاه
وأشوف خياله قاعد جنبي.

ويبدو أن لديه أسباب أخري – لعدم النوم - فهو يخاف أن يحلم بأي شئ آخر غير الحبيب الذي يتمناه قلبه. وأحس انه صادق في كلامه لأنه يقرر سببا وجيها للخوف. فقد يري غير ما يود القلب والروح، وإن كان لم يحدد من هي (الأخرى) التي يخاف من رؤياها بالحلم بدلا من الحبيبة التي يتمني ويتلهف لرؤيتها. فضل السهر لأنه يتيح له انتظارها وتذكرها بل والاستماع لكلماته وهو يتحدث معها، ولم لا فقد تجسد خيال الحبيبة جالسا بجواره وكأنها تبادله الكلام. والصورة لا يمكن أن تكون وليدة ( هلاوس عاشق ومحب ) بقدر ما هي تدلل علي براعة رامي في الانتقال من حالة خوف العاشق وقراره بعدم النوم، بالتحدث مع المحبوبة وتحويل ذلك لشكل واقعي حيث تتجسد الحبيبة جالسة بجواره تبادله الحديث والكلام.

من كتر شوقي سبقت عمري
وشفت بكره والوقت بدري
وايه يفيد الزمن مع اللي عاش في الخيال
واللي في قلبه سكن أنعم عليه بالوصال

أعذروا المحب – في ليلة لقاء الحبيب - فحساب الزمن عنده من نوع آخر. فهو يري أن شوقه الكبير لرؤية حبيبه قد جعله يسبق عمره، لكن ليس بالكثير من حساب الزمن. سبق عمره لمجرد مجئ الغد (موعد اللقاء) وما يمكن أن يراه في الغد. وهو يستدرك فيعترف أن الزمن لا يفيد من يعيش في الخيال، وهواجس الخوف من لقاء الحبيب والخوف من فقدانه بل والتمتع بالحبيب بكلامه وحتي بلقائه الجسدي. وكلها متع قد لا يجدها فوق أرض الواقع. بل أنه يري أن من يسكن بقلبه كل تلك الخيالات فقلبه ينعم بالوصال والتلاقي مع الحبيب.

طلع عيه النهار سهران في نور الأمل
وغنت الأطيار لحن الهوي والغزل
وفضلت افكر في ميعادي واحسب لقربه الف حساب .

طلع النهار أخيرا بعد كل تلك المناجاة الرائعة والعفيفة بينه وبين نفسه واكتشف انه لايزال يحيا في نور الأمل – كم هو جميل هذا التعبير – حتي انه سمع الطيور تتغني للحب لكنه كان لايزال مهموما بالتفكير في قرب الميعاد.
.
وكان كلامي مع اصحابي عن المحبه والأحباب
من فرحتي بدي اتكلم واقول حبيبي مواعدني
لكن أخاف ليكون بينهم مظلوم في حبه يحسدني
هجرت كل خليل لي وفضلت عايش مع روحي
يمكن يبان شيئ في عنيه من كتر خوفي علي روحي

لحظات من المتعة الخالصة لمجرد أن ميعاد الحبيب قد اقترب فهو يهنئ فؤاده لقرب وصاله بالحبيب وهو بهذا الاقتراب من لقاء حبيبه قد جني كل ما يهوي في دنياه. ربما ما تحمله القلوب من متعة قبل اللقاء يكون أكثر بكثير من اللقاء ذاته.!! الفكر يحتار والقرب قد يكون سببا – مضافا – للعذاب.!!
.
ولما قرب ميعاد حبيبي ورحت أقابله
هنيت فؤادي علي نصيبي من قرب وصله
ولقيتني طايل من الدنيا كل اللي أهواه
بس اللي كان فاضل ليه أسعد بلقاه
لما خطر ده علي فكري حير أمري
والقرب سبب تعذيبي
ولقيتني خايف علي عمري ليروح مني
من غير ما شوف حسن حبيبي
.
ولعلك تلاحظ معي أن رامي استخدم كلمات بسيطة للغاية ولم يحاول أن يقحم أية كلمة غريبة أو صعبة التداول ونجح باقتدار ان يجعل المستمع يعيش معه في حواره الداخلي برسم صورة جميلة بمفردات بسيطة لحيرة عاشق وخوفه ولهفته ليلة لقاء حبيبته وحتى قرب موعده لقاؤها.!!

ورغم إن الأغنية بأكملها جميلة وتعد نموذجا للأغنية الشرقية التي تغني بلحن يسبق عصره بكثير من السنين إلا أن المقطع الأخير يعد من أجمل ماغنت أم كلثوم. استمع إلي نبرة الخوف المغلف بالتفاؤل والفرحة في الأداء والموسيقي في جملة "ولما قرب ميعاد حبيبي" ثم التحليق مع صوت أم كلثوم في "لقيتني طايل من الدنيا كل اللي أهواه " ثم الهبوط ثانية حيث مشاعر الخوف والقلق في "لما خطر ده علي فكري حير أمري" إلي آخر الكلمات.
أغنية جميلة ومعبرة. أرجو أن تعجبكم.
.
.
.

10 - حكايات الأغاني ... إلي أبني الوسطاني نع تحياتي ...

.
10 - إلي ابني الوسطاني مع تحياتي.
.
لا أعرف ما هي مشكلتي مع أولادي. فأبني الأكبر أنهي دراسته بعدما أقسمت له بالطلاق أنني سأساعده - إن أنهي دراسته الجامعية - في السفر خارج مصر. وضعت شرطا واحدا أمامه وهو أن يسافر للدراسة. نظر إلي بريبة وعدم تصديق، ثم قال : كلام رجاله.!! أجبته بالإيجاب فقال: طيب لما نشوف. الغريب انه نجح تلك السنة وبأقل مجهود يذكر وبالفعل نفذت ما وعدته به، وأرجو أن ينفذ هو الآخر وعده لي.
أما ابني الأصغر والذي لا يزال يدرس بالثانوي فهو يصر علي أن أبحث له عن مدير أعمال لتسويقه لأحد الأندية. فهو يري انه لا يقل مهارة عن ماردونا وانه هناك كثير من العروض من أندية كثيرة قد تسببت في إبطالها، وان المشكلة أنني لا أفهم في الكرة ولا الأندية ولا العقود وشروطها. وهذا صحيح لحد كبير ورغم ذلك فأنا مصر علي موقفي حتى ينهي دراسته ويلتحق بالجامعة. أما ابني الوسطاني فحكايته حكاية.
أعترف انه شاب رائع وذكي ومثقف، وأنه أقرب إلي كصديق من أن يكون ابني. وقد أنهي دراسته الجامعية منذ فترة قصيرة وبتقدير يؤهله للالتحاق بسلك التدريس في كليته. وقد تحدثت معه كثيرا عن ذلك. غير انه له رأي آخر فهو يري أن معظم العاملين بكليته من الأساتذة هم "شوية بهايم" وانه لا يريد أن يصبح حمارا مثلهم بحظيرة البهائم الممتلئة بالكلية. لم تفلح معه كلماتي في تغيير رأيه وقررت تركه يبحث عن مستقبله بنفسه ويختار العمل الذي يجد نفسه فيه.

منذ عدة شهور أعطاني دراسة صغيرة كان قد كتبها ووضعها بأحد المنتديات بشبكة المعلومات. والدراسة بإيجاز تعلن أنه اختار الإلحاد بديلا عن الإيمان بالله أو الدين، ورغم انه ترك الباب مواربا لما يمكن أن يحدث. فقد يعود لحظيرة الدين ثانية، إلا أنني شعرت بالحزن الشديد حتى أنني لم أقو علي الحديث معه حول ذلك الأمر، ورحت أعيش في حالة من التفكير العميق.

في مثل تلك المواقف دائما ما أتذكر بعض الحكايات البسيطة والجميلة. سأهدي حكاية منهم له ومعها أغنية جميلة يعنيني الاستماع إليها في التغلب علي كثير من المصاعب. تقول الحكاية : كان هناك رجلا ملحدا يعيش فوق الضفة الأخرى من النهر. ولم تفلح محاولات كثيرة من أصدقائه والكثير من الدعاة في تغيير موقفه من الإيمان بالله.

زاره أحد الأيام صياد فقير، وأخذوا يتحدثون في كثير من الأمور. وبطبيعة الحال تحدث الصياد عن الله وجمال صنعته وخلقه لهذا الكون الكبير والرائع. وطبعا أصر الرجل علي موقفه، وراح يتحدث عن إمكانية الخلق لهذا الكون من سلسلة تفاعلات عشوائية أوصلتنا لما نحن عليه. شعر الصياد العجوز بالملل والحزن فقرر الرحيل. استأذن من الرجل وركب قاربه القديم وراح يجدف تجاه الضفة الأخرى.

لكنه عاد بعد عدة أيام، غير أن قاربه هذه المرة كان جديدا تماما. وكان وجه الصياد العجوز يحمل تعبيرات جميلة من الرضا والسعادة. أخذ يحكي للرجل سر سعادته ورضاه. قال: صحوت أمس من نومي في الصباح الباكر بفعل أصوات غريبة. خرجت خارج كوخي، لأجد أن تلك الأصوات صادرة عن تهاوي الأشجار الواقفة، ثم سرعان ما أخذت فروعها وأراقها في السقوط، ثم راحت الأشجار تتشقق في نظام غريب وتتراص بجوار بعضها بأطوال دقيقة تتناسب مع طول القارب ثم التحم الأجزاء في بعضها، والكل في الكل، حتى تشكل هذا القارب الجديد الذي تراه.!!

كان الرجل يستمع وهو فاغرا فاه في دهشة كبيرة. لكنه تمالك نفسه وقال للصياد: يالك من مخادع وكاذب كبير. أتريد أن تقنعني بأن قاربك الجديد وجد بهذه السرعة، وبدون صانع.!! أجابه الصياد: أتستكثر ذلك علي قارب صغير ولا تستكثره علي هذا الكون المترامي الأطراف. حتى انك لا تريد أن تقتنع بأن هناك صانع لهذا النظام المحكم والذي تعترف بقوانينه المنظمة.

القصة بسيطة للغاية لكنها تعني الكثير ومعها أهديه أيضا أغنية جميلة " ماشي في نور الله " وهي أغنية رائعة سواء في الكلمات أو اللحن ( بليغ ) أو الأداء . استمعوا معي للأغنية والأدعية الجميلة فيها والترديد الرائع لتلك الأدعية بين صوت المنشد والمجموعة.
.
.
.
..

الثلاثاء، يونيو ١٩، ٢٠٠٧

9 - حكايات الأغاني .. " أروح لمين. "

.
9- أروح لمين ...
.
أروح لمين واحدة من الأغاني الجميلة والتي لها معي الكثير من الذكريات والحكايات. البداية كانت مع الأغنية نفسها. وجدت نفسي مشدودا للأغنية، فالكلمات لعبد المنعم السباعي بسيطة ومعبرة وجميلة، والموسيقي أبدع فيها السنباطي. ورغم أن تركيبية الموسيقي تبدو بسيطة للغاية وأقرب للموسيقي الشعبية، والتي يمكن للأذن أن تلتقطها في الموالد وحلقات الذكر والأفراح الشعبية. إلا أن السنباطي وبما يملكه من حس مرهف، وتذوق عال صاغ موسيقي الأغنية في شكل أو قالب لا يقدر عليه غيره، وقدم لحنا جميلا يتصاعد بهدوء وجمال مع كلمات الأغنية حتى نصل للذروة وصوت أم كلثوم يتعالى بالشكوى في المقطع الأخير مرددة جملة " أروح لمين " في تنويعات مختلفة وكأنها قد " فاض بها " فراحت تصرخ شاكية، دون أن تنتحب أو تبتذل أو تستجدي المعني المراد بمقام الحب وقصده. والملاحظ أن صوت أم كلثوم وتحديدا في تلك الأغنية، كان فتيا وقويا وجميلا وفي قمة عنفوانه. ومنذ أن تبدأ الأغنية بتساؤلها " المشروع " وحتي تنهى الأغنية ونحن نلمس جمال وقوة الصوت.

أروح لمين ،وأقول لمين ينصفني منك !!
ما هو انت فرحي،
وانت جرحي .
وكله منك ...
أروح لمين .

سأختار لكم المقطع الأخير من الأغنية والذي تغنيه الست بإحساس المحب الذي فاض به الكيل فلم يتبقى له سوي مرارة السؤال. استمعوا وانتبهوا كيف تعبر أم كلثوم عما هو أكثر من ذلك وهي تؤدي ذلك المقطع.

أروح لمين
ومين ح يرحم أسايا
واقول يامين
ومين ح يسمع ندايا
طول مانت غايب
ما ليش حبايب
في الدنيا ديه
والفكر سارح
والهجر جارح
يا نور عنيه
شوف دمعي جاري
سهران في ناري
ولا انت داري
بالسهرانين
أروح لمين

هذا عن الأغنية، وما كتبته قليل ولا يفي حق الكلمات أو اللحن أو الأداء. وفي الحقيقة كنت أنوي الكتابة عن حكاية تلك الأغنية معي لكن ربما لأنني أحبها فقد بدأت الكتابة عنها. علي كل ، تظل تلك الأغنية ملاذي الآمن كلما ضاق بي الحال، أو وجدت نفسي محاطا بكم من الإحباطات القاسية. ولعل أقساها هو التكيف مع المكان، والأشد قسوة هو التكيف مع من هم حولي من الناس. فأجدني أهمس لنفسي " أروح لمين ". وقد أصرخ بها أيضا حين يفيض بي الكيل. وبالتأكيد فأن شكواي وصراخي لن يطرب أحدا.
.
ثمة أمر آخر أحب تتبعه كلما شاهدت تلك الأغنية تذاع مرئية بالتلفزيون. أحب مشاهدة المتفرجين من حضور الحفل. ماذا كانوا يلبسون وكيف كانوا يستمتعون بالاستماع لموسيقى جميلة وأداء رائع. شد انتباهي في أحد التسجيلات لتلك الأغنية وأثناء تصفيق الحضور - مع نهاية أحد مقاطع الأغنية – سيدة انشغلت عن الجميع بالنظر في مرآة صغيرة لوجهها وتعديل تسريحة شعرها.

أمر آخر يمكن رصده من أغاني أم كلثوم التلفزيونية. هل لاحظتم كم يبعد الميكرفون عنها؟! في التسجيل الذي أتحدث عنه لم أتمكن من مشاهدة الميكرفون. ويبدو أنه كان معلقا من أعلا وبمواجهتها. علي كل، في كل أغاني أم كلثوم كانت المسافة بينها وبين الميكرفون لا تقل عن النصف متر. وهذا له دلالته علي القدرة العالية لصوت أم كلثوم والعديد من الأصوات التي عاصرتها. بحيث كان بمقدور أصواتهم - حتى بدون مكبرات للصوت - أن تصل للمتفرج الذي يجلس في الكرسي الأخير للقاعة.
.
وتلك هي القاعدة الذهبية لنجاح وتميز مطرب عن آخر في ذلك الوقت، فضلا أنها كانت – ولاتزال - تشكل القاعدة الرئيسة لنجاح الإلقاء المسرحي دون تشنج، قد يجلب معه مشاكل جمة مثل احتباس صوت الممثل أو المطرب، فضلا عن التهاب الحبال الصوتية. وبالتأكيد فإن مهندس الصوتيات يكون له دخل كبير في تصميم قاعة المسرح بحيث يراعي تلك القاعدة إذا ما حدث خلل فني لمكبرات الصوت. وعليه فالأمر سيترك للمطرب أو الممثل بالاستعانة بطاقته وقدرته وحرفيته لتوصيل صوته لجمهوره من الحاضرين.
.
في الثلاثينيات من القرن الماضي وحين بدأت أم كلثوم مسيرتها، كانت هناك أصوات قوية ومميزة - معها - في نفس الفترة، الشيخ أبو العلا محمد، منيرة المهدية، الست نعيمة المصرية وآخرين. في هذا الوقت لم تكن هناك قاعات مجهزة هندسيا لهذا الغرض بالشكل الذي تحدثت عنه. إضافة لعدم وجود ميكرفونات قوية وحساسة مثل المتواجدة الآن. ويجئ الأمر بشكل عفوي وتلقائي. ولم يكن يزيد عن أن يحسب المطرب كم متفرج تقريبا يشاهده ويسمعه؟!. أو بالأحري نسبة اشغال القاعة من المتفرجين منسوباً للمساحة الكلية. وبمعني أقرب للدقة كان المغني يحدد بنفسه "هل القاعة مليئة بالسميعة" أو"علي النص" أو "علي الربع"، ليصل "مع نفسه أيضا" إلي "ماهي حدود المساحة المكانية والصوتية ليكيف صوته وقدراته علي توصيل أفضل ما عنده من صوت وتنويعات متوافقة مع اللحن". بحيث لا يكون هناك نشاز أو تشنج أو توتر، وإنما القدر الكبير من الطرب والإمتاع .
.
منذ فترة كنت معزوما بأحد الحفلات الخاصة، وكان هناك عدد من المطربين الشباب المعروفين. واسترعي انتباهي أن جميعهم يضعون المايك قريبا للغاية من أفواههم رغم حساسيته المفرطة. واندهشت أكثر حين وجدت واحدا منهم وقد لصق المايك بشفتيه وهو يغني.!! علي كل ، تلك قصة أخري قد أعود وأتحدث عنها خاصة دور تكنولوجيا الأصوات في فرض سمة معينة من الألحان وفرض شكلا نمطيا من الأداء.
.
ولمجرد التدليل سأهديكم جزء من أروح لمين من أحد حفلات " الست " بجامعة القاهرة بتاريخ 20/10/1959وغنت الأغنية لمدة " تزيد علي الساعة " بوصلة الغناء " الثالثة ".!!
.
.
.
.

الأحد، يونيو ١٧، ٢٠٠٧

8 - حكايات الأغاني .." عبد الحليم وأيام الغربة. "

.
8 – عبد الحليم وأيام الغربة ...
-
"هل جرب أحدكم النوم بأحد الفنادق الصغيرة في أحد مدن الجنوب العراقي وفي شهر يوليو ( تموز ) بغرفة مغلقة ليس بها سوي مروحة سقفية .انه الجحيم بعينه".
كان حنون – صاحب الفندق - محقاً فلم نستطع المبيت داخل الغرفة سوي لعدة ليالي قليلة للغاية . كانت ليالي لا تنسي. في الليلة الثالثة أو الرابعة وفور رقودي فوق السرير الساخن رحت أنظر بإمعان إلي المروحة السقفية وهي تئن وتدور دون جدوى . كنت أحدث نفسي بأننا أشبه بتلك المروحة القديمة المتهالكة، ما الجدوى من رحيلي ووضعي في تلك الغرفة الضيقة الساخنة. وبينما أستعد للإجابة علي هذا السؤال محاولاً إقناع نفسي بأن هناك ثمة فائدة من قدومي، وأن هناك فارق كبير بيني وبين تلك المروحة. وقبل أن أصل لنوع من الرضي لوصولي لتلك النتيجة، إذ بي ألمح ( برص ) ضخم للغاية يمشي متلصصاً بجوار اللمبة النيون الملتصقة بالجدار ناظراً تجاهي مقترباً ببطء يثير الهلع من سريري. كان برصاً ضخماَ وشكله مقزز وجلده شفاف ويكشف عن كرش ضخم، للحد الذي تستطيع أن تري بوضوح أحشاءه الداخلية الممتلئة.
بالكاد استطعت أن أقول وبصوت متحشرج من الخوف لكنه عال " ياليلة سودا " ثم نهضت من فوق السرير فزعاً صارخاً طالباً النجدة، لايستر جسدي سوي سروال داخلي قصير، وخلفي كان ممدوح يجري عاريا هو الآخر، ممسكاً بنظارته وآثار النوم بادية عليه. ولم يكن كلانا يرتدي سوي الجزء الأسفل من ملابسه الداخلية. وبالتأكيد كان منظراً لشابان مصريان ( لا يسر عدو ولا حبيب ).ويبدو أن حنون وأولاده لم يفهموا الأمر بالشكل السليم. نزع حنون جاكيت البذلة ورمي بالكرافتة خلف ظهره وشمر أكمام القميص الأزرق ونظر تجاهنا مرعوباً:
- حنش بالغرفة .
- ياحنون مش حنش. برص كبير .
- شينو، لؤي روح معاه ياوليدي .
مشي لؤي تجاه الغرفة بتكاسل وهدوء قاتل ثم دخل ونظر حيث كان البرص لا يزال واقفاً مكانه مستمتعاً بالتهام بعض الحشرات . وخرج لؤي ضاحكاً وبنفس مشيته المتكاسلة الهادئة كنا نسير في إثره .
- يابا دا أبو بريص .
وعلت ضحكات حنون ومن حوله من زبائن الفندق الذين كانوا يتابعون الموقف باهتمام بالغ . اقترب مني حنون وراح يفهمني - وهو يكتم ضحكاته - أنه لاضير من أبو بريص، وإنه غير مؤذ، ولايقترب من الآدميين .ربما لخشيته منهم أو لأنه "يقرف". وفي كل الأحوال فهو غير مؤذ علي الإطلاق.
- يعني إيه ياحنون .
- يعني لاتخاف .
رسمت علامات الشجاعة وعدم الخوف فوق وجهي وأجبته:
- مش خايف ياحنون. أنا ما خافش غير من ربنا. بس مش ممكن أنام مع برص .
أكد ممدوح علي كلامي وراح يتأتأ هو الاَخر:
- إحنا مانخافش غير من ربنا.
- لؤي خد ياوليدي البخاخه رشه .
أخذ لؤي بخاخة مملؤة بمبيد حشرات وراح يدفع بحماس المكبس عدة مرات في وجوه من حوله من الزبائن وحين وجدهم يفرون من أمامه اطمئن لعملها. دخل الغرفة ونحن خلفه. أطلق عدة رشات من المبيد تجاه البرص الذي فهم علي الفور أنه غير مرغوب فيه فتحرك ببطء وكسل فوق الجدار، وظل ينظر إلينا، وكأنه يسخر مني ويتوعدني بالمجيء ثانيةً إلي أن خرج خارج الغرفة .
بعد ذلك جاء حنون ليطمئن أن كل شئ علي مايرام .
- تدرى ، هذا فندق محترم. وقد اعتقدنا أنه حنش . ماذا يقولون .
- مين .
- الناس بالخارج . لا شئ يمكن كتمانه في هذا البلد .
ولم يكن بالإمكان إقناع حنون بأن أبو بريص أيضاً يمكن أن يسئ لسمعة الفندق.
كانت جدران الغرفة تنفث بلا هوادة مخزونها الهائل من السعير، والمروحة السقفية لا تفعل أي شئ سوي تقليب الهواء الساخن وإعادته لجسدي المنهك من الحر وعدم النوم. كان يفصلنا عن سطح الفندق جدار يعلوه حاجز سلكي. تركت - دون جدوى - باب الغرفة مفتوحاً علي أمل أن تأتي بعض النسمات الليلية الباردة، ، كل ما هنالك أن نزيلا ً بسطح الفندق اكتشف أن الغرفة بها حمام خاص فاقتحمها دون استئذان. اضطررنا لإغلاق الباب ثانية، فأصبحت الغرفة أشبه تماماً بأحد أفران الخبز. مع قرب الفجر ارتديت ملابسي وخرجت للشارع ورحت أتمشي. كانت هناك بعض النسمات الرقيقة تأتي علي استحياء لكنها كافية لأن أشعر بكم هو الفارق. أخذت قراري بأن أبيت منذ ليلتي التالية بالسطح وعدت مسرعاً لمقابلة حنون الذي ظل يضحك وهو يردد بضعة كلمات واصفاً حر الجنوب.
- وماذا عن ممدوح .
- لا يرغب بالنوم علي السطح .
- يعني سرير واحد . آخر كلام.
من الغريب أن ممدوح رفض تماماً فكرة النوم بسطح الفندق وراح يتأتأ بعدة جمل، فهمت منها أنه ومهما كانت حدة الحر فلن يغادر الغرفة، بل وأحكم إغلاق بابها حتى لا يتكرر ماحدث ثانية.
.
اكتشفت بعد ذلك كم كنت أحمقاً حين رفضت النوم بالسطح، فحين يأتي الليل وتبدأ نسماته الباردة في القدوم لا تشعر إلا بنوع لذيذ من الاسترخاء والهدوء وفوقك السماء صافية وجميلة ومملوءة بكل أنواع النجوم الناصعة. كنت كل مساء أصادق إحداهن ولازلت حتى الآن وكلما نظرت للسماء الواسعة أجدهن بانتظاري، فأبعث إليهن بسلامي وأتمتم في صمت بأماني التي لم تجد حتى الآن مرفأ الأمان. وزادت المتعة بصحبتي لراديو صغير كان باستطاعته أن يسمعني إذاعات مصر وغيرها، كما راحت أغاني عبد الحليم وفريد وعبد الوهاب والست تغوص في أعماقي محركة الشجون والأسى .
كان صوت عبد الحليم ينساب قوياً دافئاً ونبرة حزن خفيفة تغلفه فتمس القلب ، وأردد معه بكل الشوق لمصر:

لولا النهار في جبينك .
لولا الورود في خدودك .
لولا الأمان في وجودك .
ماكنت هويت ولا حبيت .
ولا حسيت بطعم الحب ،
ياعمري .

نعم " لولا الأمان " تلك القيمة الغالية والنادرة التي يفتقدها المصري خارج بلاده. كنت أسأل نفسي دوماً مالجديد في تلك الكلمات وتلك الموسيقي، فكل ذلك كثيراً ما سمعته بالقاهرة دون أن أهتم أو تصيبني تلك الانفعالات. يبدو أنه الحنين للوطن والأهل والحنين للصديق والحنين للحبيبة.
.
..