الأحد، نوفمبر ٣٠، ٢٠٠٨

صباح الفل ياعم صلاح …..

.
كيف شفت قلبي و النبي يا طبيب
همد و مات و الا سامع له دبيب
قاللي لقيته مختنق بالدموع
وما لوش دوا غير لمسه من إيد حبيب
عجبي !!!!

لم أعد بقادر علي تذكر عدد المرات التي دخلت فيها وخرجت من قسم الرعاية المركزة للقلب بالمستشفي. بالتأكيد هي مرات كثيرة، ربما تفوق العشر مرات. في كل مرة أقابل أصدقاء جدد أصاب بعضهم الرعب لوجع قلوبهم، ومنهم من استسلم لأقداره في هدوء غريب. والبعض من يقاتل لحد العناد والاستماتة في مواجهة تلك الأمراض التي تصيب قلوبهم، فالأمل باق أن تظهر الشاشات التلفزيونية - بغرف القسطرة - صورة أفضل لشرايين القلب (الملكية) أو التاجية التي هي سبب الألم والعناء.
أنا واحد من أولئك المقاتلين، حتى أن الكثير من المرضي اعتقدوا أنني (حكيم) متخصص بأمراض القلوب، وكانوا يهرعون لاستشارتي والحديث معي قبل وبعد دخولهم غرفة القسطرة.
في كل مرة يدخل فيها الطبيب القسطرة المزودة بالكاميرا داخل شراييني المتعبة، ويأخذ في التجول بداخلها ومراقبتها وهو يضخ الصبغة الحمراء المؤلمة، ليكتشف أي شريان يعمل وأيهما أصابه الانسداد. في كل مرة أتذكر رباعية عم صلاح وأرددها بصوت هامس ففيها تشخيص لعلة قلبي وربما لباقي القلوب، وفيها الدواء الشافي لكل القلوب.
.

الثلاثاء، نوفمبر ٢٥، ٢٠٠٨

صباح الخير ياعم صلاح ...

.

في يوم صحيت شاعر براحة و صفا

الهم زال و الحزن راح و اختفي

خدني العجب و سألت روحي سؤال

أنا مت ؟ و لا وصلت للفلسفة

عجبي !!!

.

انا اللي عمري اشتياق في اشتياق
و قطر داخل في محطة الفراق
قصدت نبع السم وشربت سم
من كتر شوقي وعشمي في الترياق
عجبي !!!

.

فتحت شباكي لشمس الصباح
ما دخلش منه غير عويل الرياح
و فتحت قلبي عشان أبوح بالألم
ما خرجش منه غير محبه و سماح
عجبي!!!!

.

عجبتني كلمة من كلام الورق
النور شرق من بين حروفها و برق
حبيت أشيلها ف قلبي .. قالت حرام
ده أنا كل قلب دخلت فيه اتحرق
عجبي !!!

صلاح جاهين

الخميس، نوفمبر ٢٠، ٢٠٠٨

عاشقة السيدة العجوز ..

السيدة ماريا باير أو إيرين باير - نمساوية الجنسية والمولد - واحدة من عشاق مصر . قرأت الكثير من الكتب التي تتحدث عنها، وهي تزورها كل عدة أشهر وبشكل مستمر، وتحاول قدر ما تستطيع أن تقترب من الناس وفهم مايحدث. من أجل ذلك فلها العديد من الصداقات بكثير من المصريين العاديين، فهي تكره لمسات الرفاهية المتوفرة للسياح وتجد أنه من الأفضل - حين تحضر - أن تعيش مع الناس وكما يعيش الناس البسطاء.
كانت السيدة باير قد كتبت الأسطر - التالية ترجمتها - عن مصر وربما يكون الأصح أن أقول أنها كتبت خاطرة عن مصر. حاولت فى ترجمتها أن أقترب من المعاني المقصودة دون أن أخل - كثيرا – بروح الكاتبة في التعبير. ومع ذلك فلا أستطيع أن أدعي أنني قمت بأفضل ترجمة لما كتبته السيدة إيرين. ولعل هناك من يحاول ترجمة الموضوع يشكل أحسن. كما أود أن أنوه أن الترجمة للعربية التي قمت بها للموضوع هي ترجمة للموضوع بالإنكليزية والتى ترجم إليها بواسطة الكاتبة نفسها، حيث أنه مكتوب أصلا بالألمانية التي لا أجيدها بالمرة.


سيدتي الجميلة – مصر*

تنساب دموعي دون توقف حين أراك كم أصبحت ضعيفة ومنهكة للغاية، وأنت تمسحين جراحك، بينما يتواصل هجومهم عليك ونهشك حتى لا يبقي منك أية أثر .أنت سيدة ثرية. بينما يتملك أولادك النهم والسعار، لأن أرواحهم قد ذبلت وقلوبهم تحجرت، ولم يعد يملكون مايكفى من الحب أو المقدرة لمساعدة أمهم الرائعة، فأيديهم مغلولة وأرواحهم قد ثملت بسموم أفاعي الصحراء الضخمة.

يتملكني الأسى حين أري عصبة صغيرة وشرسة من أولادك قد تحولوا إلي ضباع جشعة تبحث دون كلل عن دمائك. ويا للسخرية فهم لا يتورعون – أيضاً - عن الفتك والتهام لحم أخوتهم أحياء.

آه يا سيدتي. كم من بهجة أنالها لو أنني غمرتك بدماء قلبي لتنظيف جروحك. لعلني أقدر علي إيقاظ أولادك من سباتهم، وتطهير أرواحهم، وفتح قلوبهم. لعلنا نقدر علي مقاومة نزعاتهم الدنيئة للتضحية بك.
لكن من أكون لأفعل كل ذلك وأنا ابنة لبلد آخر بعيد عنك لا تملك سوى حبها لك. فمنذ زمن بعيد وأنا عاشقة لك، وقلبي ملكك. فعبر آلاف السنين كنت قوية ومزدهرة تشعين الضياء وتمنحين الحب والعطاء للجميع. من لا يعرف أولادك البررة بك في تلك الحقب. أولادك الذين تألقوا بحبهم لك وبسعيهم المتواصل للمعرفة والعلم والفن والثقافة.

وعبر الزمن بقيت، وخاب مسعى كل الغزاة لأراضيك، والفاتحين لمدنك للسيطرة عليك. وفشلوا في أن تهيمن ثقافتهم أو عرقهم أو لونهم عليك. وباقتدار ومهابة وقوة عبرت كل تلك المحن، فأنت محبة لكل الأطفال حتى لو لم كانوا غرباء عنك. ويا لقسوة الأقدار، فالذي يحاول إسقاطك هذه المرة وافتراسك مثل ضبع لئيم هو أحد أولادك الذي وهبتيه الحياة رغم عنائك وتعبك.

كاتبة هذه السطور ماريا باير – نمساوية . يمتلأ قلبي بالاهتمام وبحب تلك السيدة العجوز والرائعة مصر. لن أتوقف عن حبها أو عن النضال من أجل نبلها وكرامتها .

السبت، أغسطس ٣٠، ٢٠٠٨

10 - حكايات مسافر .."ماذا تريد إيران؟!" ( تكملة )


ويبدو أن صناع القرار في أمريكا لايتركون شيئاً للصدفة، فهم يفكرون بشكل نفعي – وهذا حقهم - فيما يخدم المصالح الأمريكية. ولعلهم رأوا أن الأمور في إيران تسير للأسوأ مع وجود نظام الشاة، فلماذا لا يتم التعاون والمساعدة للنظام المقبول من الشعب والمرشح للحكم. ولعل ذلك يعطى تفسيراً لاحتضان أمريكا والعديد من الدول التي تدور في فلكها لزعماء التطرف ورموزهم في المنطقة العربية خاصة مصر.
.
فهم - الأمريكان - يعتقدون أن التطرف الإسلامي هو الوريث الشرعي للحكم في المنطقة. وبحجة الحوار والفهم لهذا التيار المعارض يتم تجميع تلك العناصر المتطرفة ومساندتهم ومنحهم حق اللجوء السياسي فى العديد من الدول الأوربية، والسماح لهم بجمع الأموال وممارسة الأنشطة السياسية المعارضة لدولهم وتمويل عمليات الإرهاب.برأيي أن العيب ليس في أمريكا بقدر ماهو في الأنظمة الفاسدة التي تتوهم أن أمريكا يمكنها حمايتهم إلي الأبد.
.
وبمجئ الخميني ارتفعت صرخات الثوار الشيعة بنشوة النصر والنجاح، وبدا لهم أن الطريق ممهداً لنجاح الحلم الفارسي. مستغلين تعاطف الشعوب العربية معهم، والفرحة الغامرة لنجاح أول ثورة ترفع راية الإسلام، والأمل في تبنى سياسة قائمة علي التعاون والفهم السليم للمشاكل المعلقة . ومستغلين أسوأ مافي العرب، وهو حالة التشرذم، وعدم وجود الحد الأدنى من الاتفاق الذي يمكنهم من الوقوف بصلابة. وقد ساعدهم أيضا وجود حالة من السخط الشعبي لفساد الأنظمة الحاكمة العربية مقابل تبني الإيرانيون للشعارات الدينية المطلقة عن العدالة وحقوق المستضعفين. وأسوأ ما في الأمر أنهم استغلوا النعرة الطائفية باعتبار الشيعة في الأقطار العربية هم أقرب إليهم من باقي المسلمين. ويمكن القول أن أسلوبهم كان بعيداً عن الفهم الصحيح للدين الإسلامي، وأنهم تحركانهم كانت سياسية في المقام الأول، مع استغلالهم للشعارات الدينية بشكل سيئ ومغلوط، وبالشكل الذي يجلب الفتنة والخراب.
.
ومع أن الغوص في قضية الشيعة والسنة لن يجلب سوي المزيد من التعقيدات، غير أن المرء يصاب بالدهشة وهو يطالع كتب التراث الشيعي، وما تبثه من كراهية وأحقاد بالنفوس تجاه الخلفاء الراشدين ( عدا علي رضي الله عنه ). بالإضافة للكراهية المستحكمة لأئمة المسلمين السنة، بحيث أصبحت كل تلك الكراهية من الموروثات والتي تشكل وجدان الشخص الشيعي العادي. شئ لا يصدق وغير مبرر ويبدو أن له جذوره السياسية ومنذ القدم.
.
بداخل أحد الطائرات العراقية المتوجهة من القاهرة إلي بغداد، وبينما كانت الحرب العراقية الإيرانية مشتعلة تأكل الأخضر واليابس في كلا البلدين، تقابلت مع مواطن باكستاني شيعي كان ضمن مجموعة باكستانية كبيرة تقوم بزيارة الأماكن الدينية بالقاهرة. وكانوا في طريقهم لبغداد لاستكمال زياراتهم للأماكن الدينية بمدينتي كربلاء والنجف. سألته عن رأيه بتلك الحرب. هب واقفاً في ممر الطائرة وكأنه ينتظر مثل هذا السؤال، وبعربية هزيلة ومضحكة وبشكل استعراضي تحدث بصوت عال، مردداً حديثاً نبوياً يفيد بظهور العديد من الفرق المسلمة والتي لامفر من أن تقاتل بعضها البعض حتى تكون الغلبة لأحد الفرق.
- أشك في صحة هذا الحديث ، فيكفي أن نكون مسلمين حتى لا نؤذي بعضنا بعضاً وتلك كانت ضمن وصايا الرسول صلي الله عليه وسلم لنا.
- لا، الحديث صحيح ولابد من القتال. ذلك شئ حتمي.
.
لم تكن هناك - إذن - أية بادرة للحل مع النظام الجديد بل علي العكس راحت الصرخات تتعالي بتصدير الثورة إلي البلاد العربية، وبالتهديد والوعيد لبلاد الجوار الضعيفة. وهم يعنون أن نموذج الثورة الإيرانية الشيعية هو النموذج الأمثل لتلك البلاد العربية المسلمة، ويأملون دون كلل أن يكون نموذجاً قائداً لتلك الدول وتابعا مخلصاً وأميناً لفكر وتوجهات الملالي.
.
وبشكل عملي، فقد نشطوا في تشجيع وتمويل التنظميات التي تؤمن بالعنف والسلاح، وتقوية الأقلية الشيعية في دول الخليج العربي، وتشجيعهم لإعلان التمرد والعصيان، وممارسة أساليب العنف والتخريب. كانت البداية مع العراق وقد مورس كل ذلك هناك، وأصبح انفجار القنابل وحوادث الاغتيالات، شيئاً مألوفاً. ولعل أبشع حادثة كانت إلقاء القنابل علي طلبة الجامعة المستنصرية، الذين كانوا يشيعون بعضا من زملائهم القتلى في انفجار سابق!!
وبالتدريج اتسعت الدائرة لتصل إلي السعودية حيث تم تدريب الحجيج الإيراني لعمل مظاهرات عدائية، وحمل صور الخميني، وماتلي ذلك من أحداث دموية هناك. وتتسع الدائرة لتصل إلي البحرين والسودان والجزائر واليمن ومصر. ويظل القاسم المشترك للحركات الإسلامية بكل تلك البلاد هو ظهور تيارات دينية تتبني أسلوب العنف والتطرف والاغتيالات.
.
إنني وبضمير مستريح علي يقين ووعي كاملين بأن الأصابع الإيرانية والإسرائيلية أيضاً هما المحركتان لتلك التيارات المتطرفة، والتي هي أشبه بالدوامة الهوجاء التي سرعان ماتنقشع ليعود الصفاء ثانية، ذلك أن تلك التيارات المتطرفة ضد منطق البناء والتقدم بل هي ضد الدين ذاته. وليس لأحد من مصلحة فيما يحدث – وفق المعلن من سياستهما - سوي طرفين هما علي وجه التحديد إيران وإسرائيل.

ونظراً لتعامل نظام صدام بكل العنف والقسوة والبطش لكل الخلايا والمنظمات التي تتلقي الدعم والتوجيه من إيران، والتي كانت تنتمي بالفكر لإيران أو التي تسببت في حوادث الاغتيالات والإنفجارات، حيث توعدهم صدام بتصفيتهم من الجذور!!. ليضع حداً لفشل عملية التصدير بشكلها المباشر إلي العراق.
والغريب أنهم استغلوا قضية فلسطين في مشروع التصدير فظهر شعار آخر وغريب وهو أن الطريق للقدس يمر بكربلاء وفي وقت آخر أصبح يمر ببغداد. ولعل وقع هذا الشعار هو ما جعل رجال صدام يستخدمونه أثناء حرب الكويت بأن الطريق إلي القدس يمر بالكويت.!!
.
ونموذج الحكم الإيراني يعد أحد النماذج السيئة السمعة لتسلطه وكبته لحرية شعبه. ولم يعد هناك فارق جوهري بين أسلوب الحكم أيام الشاة وبين حكم الملالي. وإذا كان الشاة معتمداً لتأمين نظامه علي التحالف بين مؤسسات الأمن والمخابرات وجنرالات الجيش، فقد بسط الملالي سيطرتهم وأحكموا قبضتهم علي جميع تلك المؤسسات العسكرية وأضافوا لها مؤسسة أخري تهيمن وتوجه وتتصدر الأحداث. بحيث أصبح ما يسمى بالحرس الثوري مؤسسة ضخمة تؤمن وتمول كافة الأنشطة، ابتداء من المحافظة علي نظام الحكم بالداخل، إلي تمويل عمليات الإرهاب والاغتيالات بالخارج بالإشراف الفعلي عليها بما في ذلك عمليات التدريب للمخربين والقتلة في بعض البلاد العربية والتواجد الفعلي للمشاركة في خلق حالة من القلق المتواصل. وأصبح بديهيا أن يندرج تحت عباءة تلك المؤسسة كافة أنشطة الشرطة والجيش والمخابرات.

وبخلاف ذلك، فلا أعتقد أن هناك أمل في التغيير يمكن أن يأتي بشكل ديمقراطي وسلمي، حتى مع مجئ رئيساً للدولة من جناح الآيات المعتدل. فلا يزال هناك مجلساً للوصاية، ومجلسا خاصا بالمحافظة علي النظام من أي قرارات خاطئة تصدر عن الرئيس المنتخب. ويمكن عبر أياً من تلك المجالس إجهاض أي محاولة للتغيير قد تأتي. ثم هناك مرشداً عاماً للثورة – أقوي رجل في هرم السلطة - والذي يستطيع أن يلغي أو يعدل أو يصدر أي قرار مخالف لتوجهات "الرئيس المعتدل" أو لمجلس حفظ النظام أو مجلس الوصاية أو حتى للبرلمان.
.
القاهرة . صيف 1995

الجمعة، أغسطس ٢٩، ٢٠٠٨

10 - ماذا تريد إيران ؟!


كان لطول الفترة التي عشتها بالعراق أثر كبير في فهم التفكير الإيراني بشكل عام، والسياسة الإيرانية بشكل خاص تجاه العرب سواء أيام حكم الشاه أو تلك الأيام التي يسيطر فيها الملالي علي مقادير الحكم والثروة بإيران.
وفي كل الأحوال فإن تلك السياسة تهدف دوماً للهيمنة والسيطرة علي حساب الأراضي والمصالح العربية، تحت مسميات وتبريرات غريبة وسخيفة وعبر وسائل أشد سماجة لعل أخرها ما عرف باسم "شعار تصدير الثورة الإسلامية" أو النموذج الإيراني إلي البلاد العربية.
وعموماً فصيغة التعالي والطمع تجاه كل ما هو عربي هما أبرز مايميز تصرفات الساسة الإيرانيين سواء أيام الشاه أو تلك الأيام. ولا أستطيع أن أصدق أن إيران - رغم عباءة الدين وحكم الملالي - ليس لها مطامع في الكعكة العربية، ويبدو أنهم محكومون في تصرفاتهم بأفكار غريبة ورجعية تـمليها عليهم القراءة الخاطئة للتاريخ، خاصة فترات التداخل الحضاري أثناء الفتح الإسلامي، ونتيجة لانتصاره علي الحضارة الفارسية، وهي نفس الأفكار التي كانت تملي علي الشاه السابق تصرفاته تجاه العرب.

باعتقادى أن المشكلة (الإيرانية – العربية) لم تتغير برحيل الشاة، ونظام حكمه القمعي والبوليسي، ومجئ الملالي وتمسحهم بعباءة الدين، بل ربما يكون من الأصوب أن نقول أن كمية المشاكل قد زادت وأنهم قد استطاعوا إضافة العديد من المشاكل داخل البلاد العربية .كان الملف طوال حكم الشاه يحتوي علي مشكلتين، شط العرب مع العراق، ومشكلة الجزر المحتلة مع الإمارات.

ومع تطلعات الشاه للقوة والسيطرة كان يلجأ علي الدوام لإلهاء العراق عن مشكلته ( شط العرب ) بتمويله للقلاقل وحوادث الاغتيالات والأخطر من ذلك بتحالفاته المشبوهة مع الأكراد في شمال العراق وإشعال فتيل الحرب بين الأكراد والعراقيين ، حتى لا يهنأ العراق لفترة راحة طويلة يلتقط فيها الأنفاس .
ووفق الحسابات الخاطئة للحكومة العراقية فقد قبلوا باتفاقية الجزائر 1974 التي تنص علي اقتسام المجري المائي ( شط العرب) مناصفة مع إيران. ورغم أن هذا الاتفاق مجحف لأنه ببساطة شديدة يمكن الإيرانيون من تملك نصف هذا المجرى الذي هو بحكم التاريخ والجغرافيا يقع داخل الحدود العراقية .
ولأن روح تلك الاتفاقية لاتمثل سوي النفعية والانتهازية لكل من الحكام في بغداد وطهران، فقد سحب الشاه كل مساعداته للأكراد وتركهم يواجهون بمفردهم جيش صدام القادم من بغداد. وبطبيعة الحال فقد انتهت علي الفور حرب الشمال، وكسب كل حاكم ماكان يطمع فيه من الآخر .
وربما كان تفكير صدام في هذا الوقت أنه وبعد أن يرتاح جيشه من الحرب مع الأكراد فسيتمكن – حينئذ - من إلغاء تلك الاتفاقية، ولو تطلب الأمر الدخول في حرب مع إيران شريطة أن يكون الوقت ملائماً. وهذا ماحدث بالفعل.
وعلي كل فهذا موضوع آخر أود الكتابة فيه. وكيف أن حسابات صدام الخاطئة توصله دوماً لسهولة اتخاذ قرار الحرب دون غيره من البدائل العديدة التي كانت متاحة أمامه. وكيف أنه أعد قطاع كبير من شعبه بنفس الأسلوب بحيث أصبحت العصبية التي تصل لحد الحماقة هو الأسلوب المميز لها القطاع.

لنعد لإيران ولنر ماذا يريد حكامها بالضبط .
كان نجاح الثورة الإيرانية وما تلي ذلك من تربع الخميني ومساعدوه من طبقة الملالي الشيعة، أشبه بفيلم – أمريكي - هائل جندت له كافة الامكانات البشرية والمالية والتقنية أيضاً من أجل حبكه بشكل لا مثيل له، ووفق زيادة جرعات الإثارة والتشويق. وليس بالإمكان وأنت تستعرض سيناريو الأحداث التي سبقت هروب الشاه من إيران وقدوم الخميني وبطانته بطائرة خاصة من باريس، ودخوله طهران منتصراً إلا أن يعتريك الشك في المساعدات القيمة - لإنجاح تلك الثورة - التي قدمت من الحكومات الغربية، وأجهزة الاستخبارات وفي المقدمة وكالة المخابرات المركزية.

إن الدرس البليغ الذي يجب أن يعيه الطغاة من حكام العالم الثالث هو أن أمريكا ليست دوماً علي استعداد لحمايتهم والمحافظة علي كراسيهم أو حتى حياتهم، إذا تعارض ذلك مع مصالحها.
.
القاهرة. صيف1995
- يتبع -