الثلاثاء، مايو ٢٥، ٢٠١٠

الأداء والتطريب ..

..

أحرص كثيراً علي لمسة " التطريب" في أي عمل فني أقتنيه خاصة الغناء. ولعله لهذا السبب أفضل اقتناء تسجيلات أغاني الحفلات للمطربين الذين أفضل الاستماع إليهم. وأعد نفسي محظوظاً إذا حالفني التوفيق وعثرت علي أغنية يؤديها المطرب وهو في حالة "سلطنة" أو "انسجام" وتوحد تام بين عناصر الأغنية وأعني الموسيقي والكلمات إضافة للأداء بطبيعة الحال، والأهم الجمهور أو المتلقي أو المستمع.
من المطربين الذين برعوا في الانسجام والسلطنة وهم يغنون أم كلثوم وفريد وعبد الوهاب وعبد الحليم وطلب وورده وناظم الغزالي وغيرهم كثيرون.
أعتقد أنها "حالة"، ليس بإمكانية أي مطرب الوصول إليها، كما أنه ليس بإمكانية "نفس المطرب" أن يكرر تلك الحالة من السلطنة والانسجام وإلا فسيصبح الأمر كمن يقلد نفسه وستكون سمة التكلف هي السائدة.
هذا يعني أن هناك عبئاً مضافاً يقع علي عاتق مثل هذا المطرب. أولها أن يكون له حضوراً قوياً ويعرف كيف يترجم هذا الحضور المتمثل في "السلطنة والتطريب والانسجام" إلي مايشبه خيوط غير مرئية يشد أو يجذب بها "المتلقي أو المستمع" إلي دائرته وتحديداً إلي المركز أو القلب منها وأعني تجاه المطرب أو المؤدي ذاته. وهذا نوع آخر من أنواع التوحد والانسجام بين المؤدي والمتلقي ولعل هذا يفسر "رد الفعل" الجماعي للجمهور وتردديهم في نفس ووقت واحد كلمات الإطراء والإعجاب والتي قد تختصر في كلمة وحيدة تخرج من قلب كل مستمع لتتحد مع باقي القلوب في صيحة واحدة " الله" .
أود أن أنوه أن حالة التوحد والانسجام ليست قاصرة علي الغناء. نستطيع أن نلمس ذلك في الإنشاد الديني وفي تلاوة القراًن وفي قراءة الشعر وأيضا في المديح والأذكار وحتى قراءة القصة أو الحديث العادي. فبقدر ما يملك المؤدي من حضور، ومعرفته كيف يجد نوعاً من التوحد أو الجذب لمتلقيه بقدر ماتكون براعته في الأداء. ولعل هذا يفسر التفاف الناس حوا أشعار وحكايات الأبنودي وهو يؤديهما بصوته.
لكل هذا أستطيع القول أن تلك الحالة ليست سمة لعصر بعينه، أو موسيقي بعينها بقدر ماهي سمة "لمؤدي" في ساعة محددة للتأدية سواء كان غناءً أو عزفاً أو حديثاً وكما أسلفت. وبعكسه إذا ماسيطر أداء التطريب علي "فترة" بعينها بحيث شملت معظم المؤدين فسيصبح الأمر أشبه بأداء "الحشاشين في أحد جلساتهم" وما يعنيه ذلك من تكلف وتكرار لحد الملل وتقليد غير مستحب.
استمعت مؤخراً "لحالتان" من الأداء لأغنية واحدة. "زوروني كل سنه مره" لسيد درويش. والأغنية تعد أحد علامات الغناء والأداء في عالم الغناء الشرقي. واعتقد أنها تؤدي وفق مايمليه علي المؤدي "زمنه" من ثقافة سائدة وفهم لمعاني الحب ومفرداته.
الحالة الأولي بصوت "بلبل مصر" – كما كان يسمي – "حامد مرسي"، وهي حالة مليئة بالتطريب المبالغ فيه ولحد التكلف، وبالرغم من ذلك إلا أنني أحب الاستماع لتلك الأغنية كما أداها " بلبل مصر". والحالة الثانية لنفس الأغنية بصوت "فيروز"، وهي حالة تفتقد تماماً للتطريب والانسجام والتوحد مع المستمع، ومع ذلك فلها سحرها الخاص ومذاقها الجميل .
...

الأربعاء، مايو ١٩، ٢٠١٠

8 - أيام طويلة ..

..
نمت عدة ساعات، استيقظت بعدها وحالة من الإدراك والانتباه تأتي للحظات قليلة تكون كافية لأسأل وافهم. علمت أن التشخيص المبدئي لحالتي والذي حددته طبيبة الاستقبال الشابة هو "التهاب بالغشاء البلوري" . وقد وضعوني بقسم خاص للتأكد من صحة التشخيص أو غيره مع علاجي بالأدوية اللازمة.والحقيقة أنها طفرة كبيرة بهذا المستشفي الضخم أن يكون هناك قسماً "للأبحاث" للتأكد من تشخيص أطباء الاستقبال أو لتحديد التشخيص المضبوط للحالة ووصف العقاقير التي تناسب كل حالة ثم نقلها للقسم الذي يختص بعلاجها. فهمت أيضاً أن الأمر يستدعي بقائي عدة أيام ثم نقلي لقسم الصدر فنتائج الأشعات والتحاليل تفيد بصحة التشخيص وأن هناك التهاب كبير بالغشاء البلوري، وهناك أيضاً الالتهاب بالفص الأيمن للرئة، وأنهم يبذلون قصارى جهدهم في تشخيص مرضي بشكل موثوق به. سألت بطبيعة الحال عن أسماء المضادات الحيوية التي أعالج بها. علمت أنهما نوعان من المضادات القوية للغاية والتي تعطي في شكل محاليل، بالإضافة لمحلول آخر كمسكن قوي للألم، وكان علي ألا أستعجل الشفاء ، فمثل هذا المرض يأخذ وقتاً طويلاً للعلاج ، وهو يحتاج لصبر المريض وتحمله، لكن سيكون بالمقدور – في النهاية - القضاء علي الميكروب المسبب له. تلك كانت نصيحة هامة رغم أني أعد مريضاً نموذجياً في الصبر وطاعة الأطباء وعدم الاعتراض علي أي شي. كل ما طلبته منهم أن يلاحقوا هذا الألم، ويريحوني منه ، وأن يزيدوني فهماً وتنويراً عن هذا الميكروب. من أين جاء ولماذا اختار صدري تحديداً. وبالنتيجة فلن أغادر هذا القسم لقسم الصدر قبل ثلاثة أو أربعة أيام. وهذا يعني أنني سأقضي تلك الأيام في متابعة النوم وحين استيقظ أكون بصحبة عم عبدالله. لم أستطع – طيلة تلك المدة - تناول أي نوع من الطعام أو الشراب وأصبح مجرد الحديث عن كل ذلك يصيبني بنوع من "القرف" ، كما وأن رائحة أي طعام وأيضاً رائحة الشاي والقهوة والسجائر يسبب لي غثياناً ورغبة في التقيؤ، وما يجره من إجهاد نتيجة لأن معدتي كانت فارغة إلا من المياه، وهي السائل الوحيد الذي كنت أتذوقه واعتبرته بديلاً عن الغذاء. قلت ذلك لزوجتي التي حضرت لزيارتي هي وشقيقتي ومعهما "شوربة" دجاج وبها نصف دجاجة. وأعقبت كلامي بتهديد بليغ لهما بأن أي طعام سيأتيان به لن أقدر علي النظر إليه أو اليهما وسأفضل تركهما لأنام. وسأفعل كما كان "عم أنس" يعمل حين يأتيه زائر لا يرغب في لقاءه، كان ينظر إليه قائلاً وهو يتثاءب: حين أصاب بزائر "دمه ثقيل" مثلك فسأمدد جسدي فوق السرير وأسحب الغطاء فوقه، وسرعان ما أستسلم للنوم حتى أن شخيري يستطيع أن يسمعه كل عابر للشارع المقابل للدار. وكان ينفذ بالفعل كل كلمة يقولها حتى لا يتبقى شيء سوي شخيره وحرج الزائر في البقاء لعدم إزعاج عم أنس النائم. وغرقت أنا الاَخر بالفعل في النوم وأنا أتحدث اليهما، وكان ذلك دليلاً علي جدية تهديدي. ومع ذلك فقد أصرت زوجتي خلال الزيارتان التي تليا تلك الزيارة علي إحضار نفس "الشوربة" ونصف الدجاجة حتى أصابها اليأس فأصبحت تزوني بعد ذلك بدون أن تحضر معها أي طعام.
ومع زيادة ساعات نومي اختلط الليل بالنهار. كنت أشعر براحة حين أنام دون أدني مجهود، وحين أفيق للحظات قليلة لأخذ العلاج أو لأرفع زجاجة الماء لأشرب كنت أجد عم عبدالله مشغولاً بالأكل، وأسنانه القليلة ترتفع وتنخفض بسرعة وهو ينظر إلي شارداً. حاولت دفعه للحديث عدة مرات، وبصوت ضعيف كنت أسلم عليه وأسأله عن حاله. كان الرجل يحدق في باهتمام واضح ويستمع إلي صامتاً وهو يواصل المضغ دون أن يرد علي بكلمة واحدة.
..

الأربعاء، مايو ١٢، ٢٠١٠

7 - أيام طويلة ..

..
استيقظت علي رائحة كريهة للغاية تملأ الغرفة، شعرت بالغثيان ورغبة قوية أن أترك الغرفة وأفر بعيداً عن تلك الرائحة المقززة. حانت مني إلتفاتة لسرير جاري، تسمرت عيناى علي جسده العاري، كدت أصعق لرؤية هذا الجسد، فهو عبارة عن هيكل جلدي منتفخ للغاية لا يتناسب مع حجم الرأس الصغير، والعينان الجاحظتان في فزع. كان هناك ممرض شاب ينظفه بعدما "تغوط علي نفسه". كان الممرض يعمل بهمة وهو يلقي باللوم بصوت عال علي المريض المفزوع. "يا عم عبدالله قلنا لك ألف مره اضغط الجرس حين ترغب في التغوط، سنأتي لمساعدتك قبل أن تبهدل السرير وما عليه وترهقنا لتنظيفك". لم يرد عم عبدالله بكلمة واحدة واكتفي بالتحديق في وفي جدران وسقف الغرفة وعلامات الفزع والخوف ترتسمان علي وجهه الضامر. رائحة كريهة وممرض يصرخ من الشعور بالتقزز وهو ينظف جسداً منتفخاً لمريض عاجز عن الكلام ولا يملك سوي الخوف والفزع. وجدت نفسي أقاوم رغبتي الصبيانية بترك الغرفة وحدثت نفسي بأنني سأشارك عم عبدالله هذا المكان واعتبرت أن هذا القرار هو نوع من الامتحان لنفسي. سألت نفسي " هل سأنجح في هذا الامتحان.؟!! نظرت إلي الوجه الضامر والعينان الجاحظتان ورسمت علي وجهي ابتسامة تشجيع وتعاطف، وطلبت من الممرض أن يقترب من سريري لأحدثه. بعدما ينتهي من عمله، أخذ يرش الغرفة مستخدماً زجاجة معطر للتغلب علي الرائحة الكريهة التي لصقت بكل زوايا وأرجاء الغرفة. كوم ملابس عم عبدالله القذرة وغيرها بملابس أخري نظيفة وأخذ يلبسه إياها بهمة ونشاط ونحن نتبادل الحديث.
قلت له أنني معجب للغاية بنشاطه وطريقته في تمريض عم عبدالله، وقبلها معي – رغم أنني كنت نائماً – إلا أنني وجدته قد علق كيساً للتبول كما علق الأدوية والمحاليل حتى أنني شعرت براحة شديدة لتأثير المسكن القوي والأهم هو قدرتي علي التبول دون ذهاب للحمام. كنت أناديه باسمه الذي استطعت قراءته من "البادج" المعلق فوق صدره، "يا أشرف أنت تدمر هذا المجهود الرائع الذي تبذله وأنت تصرخ في تلك الجثة الممدة أمامك دون قدرة علي الحركة أو الرد". كان ينصت إلي باهتمام وأدب وعقب بكلمات قليلة لكنه اعترف بالتقصير في تلك الناحية. يبدو العمل شاقاً "علي النفس" خاصة في مثل تلك المواقف. وافقته وأعطيته الحق وقلت له لعل أحد الأسباب أنك لازلت شاباً ولم تر الكثير بعد من المرضي وحالة الضعف والهوان والاستسلام المهين للمرض. الموضوع يحتاج لكثير من التدريب والممارسة وقبل كل ذلك الفهم والشعور الطيب تجاه تلك الكائنات الضعيفة والتي كانت يوماً ما تتباهي بقوتها وتدعي أنها كانت رجالاً لايشق لهم غبار أو نساءً يمتلئن بالحيوية، أنظر لعم عبدالله كيف يبدو؟!! وانظر إلي، وضعفي الذي لايمكنني من النهوض من فوق السرير. أنتهي حديثي مع أشرف بكلمات ضاحكة منه لعم عبدالله، الذي ابتسم وهو ينظر تجاهي متخلياً عن علامات الخوف والفزع. اكتشفت أن "عم عبدالله" لا يستطيع الكلام ولكنه يجيد الاستماع والفهم.
كان هناك العديد من زجاجات المحاليل معلقة بأعلا سريري، تتدلي منهما أنابيب شفافة ورفيعة تصل "يكانيولا" مغروزة بزراعي وبها العديد من الفتحات. من الواضح أنهم في مستشفي " عين شمس التخصصي" يتمتعون بحرفية عالية في تأدية أعمالهم والمتمثلة في جودة التشخيص والتمريض والأهم هو وجود نظام محكم للتعامل مع المريض ومتابعة حالته دون أن تشعر من هو الطبيب الذي يشرف علي كل ذلك.
لا بد أن الفجر يوشك علي البزوغ، فخيوط الضوء تتسلل علي حياء من خلال "شيش بلكونة الغرفة"، ومع بزوغ ضوء فجر يوم جديد أزددت تفاؤلاً، وشعور بآمال جميلة تراودني في الشفاء وفي مزيد من الحب والفهم للناس، وعرق كثيف يغمر جسدي لأغرق في نوم هادئ وممتع بعد ساعات طويلة ومرة من العناء والضعف والألم
..

الاثنين، أبريل ٢٦، ٢٠١٠

6- أيام طويلة ...

..
مساء نفس اليوم ...
شعرت بأصابع تنغرز في ظهري وهم يحاولون مساعدتي للقيام والدخول لسيارة شقيقي لنقلي لمكان آخر. تأوهت من شدة الألم وطلبت بصوت ضعيف من أخي أن يستخدم كف يده وليس أصابعه. كان جسدي أشبه "بالدمل الكبير" الذي يحيط به الألم من كل الاتجاهات. فضلت الرقاد فوق الأريكة الخلفية للسيارة ووضعت ذراعي تحت رأسي وغرقت في نوم عميق. كنت أفيق للحظات قصيرة كلما اهتزت السيارة حين كانت تعبر مطباً أو حفرة بأسفلت الشارع. أتذكر أنني أفقت مرة أخري علي صوت مزعج لآلة تنبيه سيارة مجاورة. تصنعت القوة وحدثت شقيقي أن "يركن" بجوار تلك السيارة ويتركني أؤدب سائقها لقلة أدبه وعدم تحضره. "هاوريه بس سيبني عليه.!!". كنت أحاول تصنع القوة والمرح تخفيفاً عني وعن زوجتي وأخوتي. لم أنتظر أي تعليق، ومع سماعي لضحكات الجالس بجوار أخي بالمقعد الأمامي غرقت في النوم، ولم أفق إلا بعد فترة كانت كافية لوضعي فوق سرير الفحص بالمستشفي الجديد، ثم سحبي أو جري أو نقلي أو حملي لعمل أشعة للصدر والعودة ثانية لسرير الفحص الجلدي البارد. أخبرتني زوجتي بأننا في انتظار الأشعة والتي ستحدد إذا كنت سأخرج أم سأبقي للعلاج بالمستشفي. لم أتذكر أي شيء. ولم أسأل كيف وصلنا، وكيف فحصني الأطباء ، وكيف أخذوني لعمل تلك الأشعة. كان هناك مجموعة من الأطباء الشباب، بهم الكثير من الطبيبات. انشغلت زوجتي في الحديث مع إحداهن وعادت إلي لتخبرني قبل أن أعاود النوم. كنت أشعر ببرودة شديدة وأنا أكور جسدي طمعاً في الإحساس ببعض الدفء. لم أفهم من كلامها سوي القليل بينما كانت عيون الأطباء تلاحقني وهم يتحدثون فيما بينهم. رجوت زوجتي أن تغطي جسدي بالعباءة الشتوية - التي كانت بصحبتي - وأن يقرروا بعيداً عني مايرونه صالحاً. ومع شعوري بالدفء يتسلل لأطرافي غرقت ثانية في نوم عميق لم أفق منه إلا وأنا بغرفتي الجديدة بالمستشفي وحيداً إلا من نظرات حزينة ومركزة تلاحقني من رفيقي بالغرفة الممدد بجواري فوق سريره.

..



الأربعاء، مارس ٣١، ٢٠١٠

5 - أيام طويلة ...

.
لي قريب يكبرني في المقام والعمر، وهو نفس حالي علي المعاش ويختلف عني أنه كان يعمل بالحكومة وترك العمل بها بعد أن وصل لدرجة وكيل وزارة. أقول ذلك لأنه وكما عاشرته وعرفته فهو يستحق الأكثر من ذلك. مشكلته أنه لم يكن يحني رأسه لأحد. ويبدو أن تلك " الخصلة السيـئة هذه الأيام" كانت أحد سماته منذ صباه. فهو لا يمكنه أن يزيف الحقيقة، أو حتى يجملها. في الحفل الصغير الذي أقاموه له بمناسبة تركه للعمل وإحالته للمعاش تركوه يقول كلمة صغيرة. أخرج من جيبه ورقة أعد بها الكلمة مسبقاً وابتدأ يقول فامتعضت الوجوه، وبدأ الهمس واللغط وصدرت التعليمات بإسكاته. تقدم أحدهم منه ضاحكاً وهو يقول " لا يقال هذا الكلام في تلك المناسبة يأستاذ" وسحب والأحري خطف الورقة من يده. نظر إلي الحضور مبتسماً وقال "كنت أتوقع ذلك" ومد يده لجيب الجاكت وأخرج نسخة ثانية من خطابه وهو يقول "هناك العديد من النسخ الأخرى وأنتم تعرفون طبعي. سأقول ماعندي ثم أغادركم لأرتاح وترتاحون". ومن صفاته الجميلة أيضاً أنه محب لتقديم خدماته "بالمجان" لأفراد الأسرة وللغرباء أيضاً. وحين تحكي أمامه أو يشاهد مشكلة ما لأي شخص. يستمع باهتمام ولا يعلق أي تعليق بعرض المساعدة، غير أنك تفاجأ بعد عدة أيام قليلة بأنه بدأ بحل مشكلتك مالم يكن حلها بالفعل. الحكايات عنه - خاصة في هذا الجانب - كثيرة وقد أعود لأكتب ثانية عن هذا الرجل وحكاياته، والذي أعتقد أنه يستحق تسميتي له بآخر الرجال المحترمين.قالت لي زوجتي أحد الأيام أنه يعاني من نفس مشكلتك وقد عرض نفسه علي طبيب عظام، الذي وصف له عدة أدوية ونصحه بالراحة التامة. تحدثنا هاتفياً وكما هي عادته بدأ بالسؤال عني بصوت ضعيف للغاية، ومع ذلك فلم ينس أنه منحني لقب " البكوية" ، وبدوري فقد منحته لقباً أعلا "الباشاوية". تحدثنا عن الأدوية التي نستعملها وكانت متشابهة لحد كبير خاصة دواء ليركا" وهو هو عبارة عن كبسولات لفيتامين ب مركزة وقوية التأثير ويذهب تأثيرها مباشرة للأعصاب والنخاع الشوكى، وهي غالية الثمن لحد كبير. لا أدري لماذا يفضل معظم أطباء العظام وصفها لمثل الحالة التي أعاني منها أنا وقريبي.؟!! وخلافاً عني فهو من النوع الذي يتحمل الألم بعناد غريب ولا يمكنه أن يستخدم أي مسكن للألم عدا ماوصفه له طبيبه. وبطبيعة الحال تزايدت حدة الألم وبدأ صوته يضعف أكثر وقدراته تقل وزياراته للأطباء تتزايد إلا أن اقترح عليه أحدهم بعمل حقن للفقرات لدي طبيب متخصص في تلك العملية. وبالفعل فقد ذهب لمقابلة هذا الطبيب الذي نصحه بعمل أشعة " رنين مغناطيسي" للفقرات القطنية ثم قرر له إجراء عملية الحقن. خابرته بعد عدة أيام فذكر أن الألم لم يختف لكنه قل بنسبة ملحوظة، وأنه يستخدم الأدوية غالية الثمن طبقاً لتعليمات الطبيب الذي أجري له حقن الفقرات.
قلت لنفسي لعلها نافذة أمل قد فتحت أمامي. قررت الذهاب لنفس الطبيب ومقابلته وبالنسبة لي فلدي الأشعات المطلوبة والتحاليل وشعرت أن هناك اتفاق قريب سأعقده مع هذا الطبيب ليجري حقن لفقرات ظهري المتعبة" . بالفعل ذهبت ثاني يوم للمستشفي الذي يعمل به وهو مستشفي كبير والذي يطلق عليه مستشفي فندقي ولا يقل مستواه عن خمسة نجوم. غير أنه لم يساورني القلق بخصوص التكلفة فقد أخبرني قريبي أن مصروفات العملية شاملة الإقامة لليلة واحدة لن يزيد عن ألفين جنيه. وهو مبلغ لا يعد كبيراً لمواجهة مثل تلك المواقف "الاضطرارية" ويمكن تدبيره بشكل أو بآخر.
ورغم ذلك فقد تذكرت حواراً دار بيني وبين صديق لي يسكن بأحد القرى. وقتها كنا نتبادل الحديث عن "مأساة علاج الفقراء خاصة الفلاحين" الذين لا يتوفر لأي منهم أي مبلغ ولا يمكنهم دفع حتى خمسين جنيهاً للعلاج. قال صديقي بجدية تامة "العيب عليه وليس من حل أمام هذا الفقير المعدم سوي أن يقف أو ينام في سكة القطار "ليأكله ويفرمه" فيريح ويستريح". "ألا يوجد طريق آخر سوي طريق القطار؟!! وبنفس الجدية أجابني " هو كده ميت وكده ميت، الأشرف له أن ياكله القطر ويموت. وصدقني مش هايحس بحاجه. ياعم بلاش وجع دماغ دي بلد تقرف هيه واللي فيها". حمدت الله أن معي الألفين جنيه، وحمدته أكثر أن "سكة القطر أو القطار" تمر بعيداً عن موقع المستشفي الذي يتوسط أحد مناطق القاهرة المميزة.
قابلت الدكتور وبعد أن وضع نظارته الصغيرة المربعة الشكل وتركها تتدلي فوق أنفه، قام بفحصي ثم شاهد أشعة الرنين المغناطيسي. استدار وقال لي " أنت بحاجة لحقن أربع فقرات . لكن دعني أذكرك أن تلك العملية ليست علاجاً لحالتك، فهي تساعد فقط في تخفيف حدة الألم، وربما يحتاج الأمر أن تعاود عملية الحقن بعد ستة أشهر وربما أقل من ذلك وربما أكثر. ليس لدينا تقييم يجزم بجدوى الحقن، كل مالدينا هو الجانب الإحصائي الذي أجري لعينات كبيرة من المرضي في أمريكا وأوربا. فقد استفاد 80% منهم في تقليل الألم وليس زواله. والكثير منهم احتاج لإعادة الحقن بعد ستة أشهر ونسبة قليلة بعد سنة والنسبة الأقل لم يعودوا بحاجة لتلك العملية مرة أخري." ثم أضاف " يجري الحقن باستخدام عدة أدوية قد تصل لأربعة وبواسطة إبرة تخترق الفقرة وتحت توجيه دقيق لها بواسطة العديد من شاشات المراقبة حتى لا تلمس النخاع الشوكى". عرفت أيضاً أن تلك العملية – إن جاز تسميتها بعملية – تجري بغرفة قسطرة الشرايين المليئة بشاشات المراقبة التلفزيونية. فالمكان حساس للغاية وأي خدش يمكن أن يلحق بالنخاع الشوكى ستكون له عواقب وخيمة.كان من الواضح أن الطبيب "قدر" تخصصي المهني فاستعان بشرحه المفصل بعمل العديد من الرسومات التي توضح خطوات العملية وكتابة الأرقام الدالة علي الجانب الإحصائي لجدوى العملية، وأجاب علي كل أسئلتي الهندسية إجابات وافية ومقنعة. حدد أيضاً أتعابه وتكاليف الإقامة بالمستشفي لليلة واحدة علي أن تجري العملية الصباح الباكر لليوم التالي. ولم يختلف الرقم الذي ذكره كثيراً عن الرقم الذي أعرفه إلا بزيادة تكلفة إجراء تحليل "لسيولة الدم" طلبه مني وفضلت عمله بالمستشفي.
"توكلنا علي الله"، هكذا كانت إجابتي، كانت أجندة مواعيده توافق الليلة التي سأبيت فيها بالمستشفي لعمل التحليل وإجراء العملية صباح اليوم التالي. وكانت تلك الليلة والصباح الذي تلاها هو ما كتبت عنه ببداية الموضوع. فقد حدث فجأة ارتفاع كبير بدرجة الحرارة وفقدان كامل للوعي، وعدم الشعور أو المعرفة أو الإدراك لأي شخص، أو لما يدور حولي أو القدرة علي إجابة أي سؤال. مما جعل الطبيب يقول لزوجتي – حين حضر في الصباح – ليس هذا هو الرجل الذي قابلني وتحدثت معه. إنه رجل آخر والأفضل له ولكم أن تبحثوا عن طبيب أخصائي غيري فهو لم يعد بمريضي"..
بتخلي الطبيب عني، تخلت المستشفي عني أيضا،ً وأصبح الأمر يستلزم عقد اتفاق جديد مع طبيب آخر بالمستشفي لضمان حقوقهم المادية أولاً ، ثم علاجي من الحمي التي أصابتني ومعرفة سببها قبل كل شيء.
ماحدث - بعد ذلك - لهو أمر مخجل ومقزز، فقد ظللت ليوم كامل فاقداً للوعي رغم حضور أخصائي قلب وعمل رسم كهربائي وتحليل "لأنزيمات القلب"، ثم قراره بأن الحالة لا تخصه أيضاً. وعوضاً أن تعالج الحمي بأقصى سرعة فقد أرسل لي أحدهم أقراصاً مهدئة وكأنني كنت بحاجة لمزيد من النوم.!!
في التاسعة مساءً تم نقلي لمستشفي آخر بناء علي نصيحة طبيبي الخاص وبعد أن خابرته زوجتي وشرحت له ماحدث معي بالتفصيل. وقبل أن نغادر طلبت المستشفي دفع فاتورة الإقامة والتحاليل والأطباء وكانت تتجاوز الألف ومئتان جنيه نظير لاشيء تقريباً. وبين التخبط الذي وقعت فيه زوجتي وأخوتي – وهم معذورون – والتخبط المتعمد من أطباء المستشفي، كنت أعيش في عالمي الخاص ورحلاتي المكوكية بين الحمام للتبول وسريري لأغرق في النوم، وخيالاتي تتزايد بأن المؤتمر السياسي أو الثقافي قد بدأت فعالياته.
.
يتبع ...